اخر الأخبار

الإمام الهادي (عليه السلام) ودوره في حماية الأمة من الإنحراف

4424

حفلت كتب الرواية والتفسير والفقه والعقيدة والمعارف المختلفة، بآثار الإمام علي الهادي (عليه السلام)، ونحن في هذا التعريف المختصر بحياة الإمام (عليه السلام) نذكر بعضاً من أقواله الخالدة، وما حوت من معانٍ جليلةِ القدر عظيمة الشأن؛ فما يُروى عنه من أقوال وحِكَم وهداية ومعارف هو ما رواه الحرّاني في كتابه القيِّم (تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله)، وهو من أعلام القرن الرابع الهجري، فقد روى له رسالة طويلة كان (عليه السلام) قد وجّهها إلى بعض البلدان الإسلامية للإجابة على الجدل والخلاف الفكري الذي طال واستطال بين المسلمين حول مسألة (الجبر والاختيار والتفويض في السلوك الإنساني) وقد وقعت هذه الرسالة في خمس عشرة صفحة من الحجم الكبير في كلّ صفحة أربعة وعشرون سطراً تقريباً.
جاء في صدر هذه الرسالة:(من عليّ بن محمد، سلامٌ عليكم وعلى من اتّبع الهدى ورحمة الله وبركاته، فإنّه وَرَدَ عليَّ كتابُكُم، وفهمتُ ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم، وخوضِكُم في القدر، ومقالةِ من يقول منكم بالجبر، ومن يقولُ بالتفويض، وتفرّقكم في ذلك، وتقاطعكم، وما ظهر من العداوة بينكم، ثمّ سألتموني عنه، وبيانه لكم، فهمت ذلك كله)فالمتأمل في نصوص هذه المقدمة من الرسالة يُدركُ بوضوح حدّة الخلاف العقائدي وانعكاسه على العلاقات الاجتماعية، وبلبلة الفكر والرأي في تلك المسائل الخطيرة، كما تكشف أيضاً مرجعيةَ الإمام العلمية، ولجوءِ الأمة إليه لفهم الإسلام، وتوضيح العقيدة، وبيان معضلات الفكر والمعتقد.ولنقتبس فقراتٍ من هذه الرسالة الطويلة، ليتّضحَ منهجُ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير سلوكِ الإنسان، وصدور الطاعة والمعصية منه، ومسؤوليتهِ عن ذلك، وبراءةِ الله سبحانه من الجبر والظلم، وتصرّفه في خلقه، وغلبة قهره ومشيئته وإرادته، فهناك كما هو واضح ثلاثة آراء في الإطار الإسلامي، تفسِّر أعمال الإنسان وسلوكه، هي:القول بأن الإنسان مجبرٌ، وتجري عليه الأفعالُ كما يجري الماء في النهر، فالإنسانُ لا يملكُ إرادةً ولا اختياراً، والخيرُ والشرُّ الصادر عنه، إنما هو من فعل الله فيه.ورأيٌ يقول أن الأمر مفوضٌ إلى الإنسان أي أن الله أهملَ العباد، وليس لله دخلٌ في صدور الأفعال منهم، وليس بوسع الله أن يمنعهم من فعل شيء، فالحياة وفق هذا الرأي لا تخضعُ لإرادة إلهية منظمة.ورأيٌ اخر وهو رأي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، يقول بالأمر بين الأمرين، والمنزلة بين المنزلتين، فالإنسان يملكُ الإرادة والاختيار، وهو ليس مجبراً، ولكن الأمر ليس مفوّضاَ إليه، وأن الله قادرٌ على أن يمنعه عن الفعل الذي يفعله، وقد يمنعه الله عن فعل الشر لطفاً به، أو يعينه على فعل الخير لاستحقاقه ذلك، فمن زعم أن الله تعالى فوّض أمره ونهيهُ إلى عباده، فقد أثبتَ عليه العجز، وأوجب عليه قبول كلّ ما عملوا من خير وشرٍّ، وأبطل أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، لعله ما زعم أن الله فوضها إليه، لأن المفوض إليه يعمل بمشيئته، فإن شاء الكفر أو الإيمان كان غير مردودٍ عليه، ولا محظورٍ، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى فقد أبطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وأمره ونهيه،وهكذا يوضح الإمام (عليه السلام) تلك المسألة العقائدية الخطيرة، ويحدِّد كيفية تفسيرها، ليتضح المنهجُ والطريق، وتحدد العلاقة الحقة بين إرادة الله وإرادة خلقه,ومن روائع حكمه، ومصابيح هدايته ما أثر عنه في التربية والأخلاق والتوجيه الاجتماعي، فمنها:
• (مَن أمِنَ مكرَ الله وأليم أخذه تكبر، حتى يحل به قضاؤه ونافذُ أمره، ومن كان على بينةٍ من ربه هانت عليه مصائبُ الدنيا، ولو قرضَ ونشر).
• (الشاكر أسعدُ بالشكر منه بالنعمةِ التي أوجبت الشكر، لأن النعم متاعٌ، والشكر نعم وعقبى).
وبطرح هذه الأفكار والمفاهيم النيرة عن الإسلام وعن حقيقة التعاليم الإسلامية حُفظت الشريعة المقدسة من الانحراف، ومن سعي الحكام في تلك المرحلة من حياة الأمة في طرح الأفكار الضالة لخدمة مصالحهم، حيث كان دور الإمام الهادي في طرح الأفكار السليمة والصحيحة لأنه منبع الفكر الإسلامي الصحيح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى