اخر الأخبار

ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس

إن اللّه تعالى يغفر للمذنبين إلاّ من لا يريد أن يغفر له، فقيل: يا رسول اللّه من الذي يريد أن لا يُغفر له؟ قال: من لا يستغفر. إذن فالإرادة الإلهية تعلقت بالأصالة بكمال البشر وسعادتهم لا غير ولكن ليس عن طريق الإجبار والإكراه بل عن طريق الإختيار والاختيار يعني وجود طريقين إذ لا معنى للاختيار في حال كان خيارك واحداً لا غير مع عدم توفر امكانية الخيار الآخر ومن هذا الاختيار تشعب طريق الضلال أي أنه تشعب بتبعية الاختيار البشري وليس أن ارادة الله تعلقت به في الأصل بل تعلقت به بتبعية تعلقها بالاختيار. أما فيما يتعلق بوجود الخلل في خلق البشر فإن الارادة الإلهية تعلقت بكمالهم ولكن ربطت وجودهم بالأسباب وسلسلة العلل التي تنتج وجودهم وبسبب هذا الربط فإن الخلل الذي يصيب الأسباب نتيجة لافساد البشر يسري ويصيب البعض منهم “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا…” ولتوضيح الفكرة نقول أن الله تعالى حينما أراد أن يخلق الوردة فإنه أراد ان تكون تلك الوردة في أحسن صورة وأجمل هيأة ودون خلل ونقص أرادها أن تعبر عن جماله وتعكس الكمال الإلهي بحسبها وأن تكون آية ومرآة تدل على جمال خالقها وكماله هذه هي الارادة الأصلية ولكن الله تعالى لم يقل للوردة أن تكون دون علل وأسباب فهناك مجموعة من العوامل سخرت لايجاد تلك الوردة الرائعة من تربة وماء وهواء وضوء وحرارة و… ومن الطبيعي أن الوردة ستتأثر بتلك الأسباب اذا امتدت اليها يد البشر لتتلاعب بها وليس هذا الأمر من باب العقوبة للوردة بل هو نتيجة طبيعية لربط وجودها بتلك الأسباب والتي تنتج الأفضل في حال عدم التلاعب بها ولو أردنا تقريب الفكرة لنضرب المثال التالي: إن صاحب المصنع الحكيم يريد أن تكون كل منتجاته في أحسن حالة من الجودة ولا يعقل أن يريد أن توجد بعض منتجاته بشكل سيىء ولكن صاحب المصنع ربط وجود تلك المنتجات بالآلات وقد تصاب تلك الآلات بعطل ما يؤدي الى وجود بعض المنتجات غير السليمة وهذا لا يعني أن ما جرى لم يكن بارادة صاحب المصنع بل المقصود أن ما جرى تشعب من ربط المنتج بالآلات وليس ناتجا عن ارادته الأصلية. إذن الارادة الالهية بحسب هذا التصور لم تتعلق مباشرة بالنقص سواء في مجال مصير البشر النهائي أم فيما يتعلق بتكوينهم ولكنها تعلقت بهذه الأمور بتبعية تعلقها بالاختيار في مجال المصير وبتبعية تعلقها بالاسباب في مجال التكوين ومن الواضح أن الاشكالات الواردة على التصور الأول لا ترد على التصور الثاني والذي هو الأقرب والأكثر انسجاما مع تصور القرآن الكريم عن الكمال الإلهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى