الحرب الناعمة : الأسس النظرية والتطبيقية


الجزء السادس
أما دبلوماسية القوة الذكية فقد عرفتها وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في جلسة استماع في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بتاريخ 13 كانون الثاني 2009 بما حرفيته “أنا أعتقد أن الزعامة الأميركية كانت ضعيفة وغائبة، لكنها الآن ما زالت مرغوبة. فعلينا أن نستخدم القوة الذكية، أي مجمل الأدوات المتاحة في تصرفنا – من دبلوماسية واقتصادية وعسكرية وقانونية وثقافية – ونختار الأداة الملائمة، أو مجموعة الأدوات، لكل حالة. وسنقود بالدبلوماسية، لأنها هي الأسلوب الذكي. لكننا نعلم أيضا أن القوة العسكرية ستكون ضرورية في بعض الأحيان وسنعتمد عليها لحماية شعبنا ومصالحنا حينما وأينما تطلب الأمر إليها كملاذ أخير، وندرك أنه في الوقت الذي تستمر فيه ديمقراطيتنا في إلهام الناس حول العالم، أن تأثيرها يكون عظيما عندما نفي نحن ونلتزم بتعاليمها”. ان سياق القوة – عامل الارتباط بين القوة وتأثيرها في لحظة ما – قد تغيـر بفعل عوامل لها صلة بالعولمة وانتشار وسائل الإعلام والإتصال والمعلومات، ويقظة المشاعر القومية والإقليمية، ولعدم ردعية السلاح النووي، وضعف شهوة الغزو والاستعمار العسكري لدى الدول الكبرى، وتغيير وتبدل أشكال القوة، لأن معادلات القوة لا تعمل إلا في السياق والإطار الذي توجد فيه علاقات وموازين القوى، فالدبابات مثلاً لا تعطينا النتائج المرغوبة في حرب المستنقعات ولا تصلح لحروب الغابات، ومدفعية الميدان لا تنتج مفاعيلها في مجال الدفاع الجوي. والحرب الإلكترونية السيبيرية لا تواجه بالسفن البحرية، فلكل حرب اسلحتها الفعالة وتوجهها أسلحة مضادة لها تناسب سياقها، واليوم تبدل سياق القوة مرجحاً موارد القوة الناعمة” وأضاف “لقد أضحى من الصعب، في العالم المعاصر، استخدام العصا، إذ القوة العسكرية أصبحت – على الرغم من ضرورتها كسياسة ردع وإكراه – صعبة جداً، وأصبحت الحرب أمراً مكلفاً من الناحية المادية…ومثار مزايدة ومناهضة من هنا أو هناك. ومن الواضح لدي ان معظم مفاصل التاريخ مصوغة على أساس وزن كل دولة في العلاقات الدولية، مقاسا بالقوة العسكرية التي تحتكم إليها، أي بالجيوش المدربة والمنظمة، والأسلحة المتفوقة، وجلد الجنود والمقاتلين ومهاراتهم، إلا أن هذا المعيار – العسكري- لم يعد حاسماً أو فريداً في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بل لربما أصبح عبئاً اقتصادياً، ومصدر نزيف بشري ومادي، قد يؤدي للضعف والتراجع، وربما للانهيار”. ويستند جوزيف ناي لنجاح تجربة القوة الناعمة مع الاتحاد السوفياتي، فـ “الجماهير السوفياتية كانت تشاهد الأفلام، وتتمثل خلفياتها السياسية، وعبرها استطاعت ذات الجماهير، معرفة أن الناس بالغرب لا تقف في طوابير لاقتناء الطعام، وتقيم في مساكن مستقلة، ولديها سياراتها الخاصة”. ومن ناحية أخرى “القوة الناعمة هي الأقل كلفة والأكثر فعالية اليوم لتوفير القدرة على التأثير في سلوك الآخرين والحصول على النتائج والأهداف المتوخاة دون الاضطرار الى الاستعمال المفرط للوسائل العسكرية الصلبة، وهي الأقدر على تشكيل خيارات الآخرين وجدول أعمالهم السياسي، وكل دولار يُصرف في مجالات القوة الناعمة أفضل وأجدى بأضعاف من 100$ تصرف مجالات القوة الصلبة العسكرية أو العقوبات الإقتصادية”. وتطابق تبريرات جوزيف ناي مع خطاب وزيرة خارجية أميركا السابقة هيلاري كلينتون في مجلس العلاقات الخارجية للكونغرس من أن “أميركا غير قادرة على حل مشاكل العالم وحدها، لكن العالم لا يستطيع حل مشاكله بدون أميركا” وهو ما يفرض التعاون الدولي لمعالجة مشكلات العالم بدلاً من شن الحروب، ومن هذه المشكلات التغيّر المناخي والبيئي / النفط والطاقة / الزيادة السكانية / العملات والذهب / انتشار الإرهاب / قرصنة الانترنت / انتشار الأسلحة / حقوق الملكية الفكرية والمعلوماتية / الخ. ولهذا ينصح جوزيف ناي من يتصدى للعمل في الإستراتيجيات والسياسات الدولية أن يعرف أن “القوة لها ثلاثة أشكال: القوة الصلبة العسكرية والقوة الاقتصادية والقوة الناعمة”. والقوة متداخلة بطبيعتها، فالقوة الصلبة لا تنفصل عن القوة الناعمة ولا عن القوة الاقتصادية، فأشكال القوة الثلاث تشكل أبعاد القوة والتفوق والهيمنة والسيطرة في السياسة الدولية. وجدول أعمال السياسة العالمية قد أصبح اليوم مثل لعبة الشطرنج ثلاثية الأبعاد، لا يمكن الفوز بها إلا اذا لُعبت بطريقة عامودية وأفقية، ومشكلة بعض اللاعبين والزعماء أنهم لا يستطيعون اللعب إلا في اتجاه أو بعد واحد – أي إما إعلان وشن الحروب العسكرية أو فرض العقوبات الاقتصادية “.



