الكنيسة


محمد جاسم العكيلي
لطالما لازمت ذاكرته وأنفه رائحة البخور، وغاصت مشاعره في دخانها المنتشر في قاعة احدى كنائس منطقة كمب سارة في بغداد، التي تعني له الكثير، رغم مرور سنوات طوال على دخولها آخر مرة.
كانت بعض ايام “خالد” الماضية ذات طعم آخر، تذوق خلالها الحب لاول مرة في حياته، فالصدفة جمعته بفتاة احلامه، خلال رحلة لعدة ايام الى خارج مدينته.
عشق هذه الفتاة بشغف، وتوسد دموع الشوق اليها نهارات وليالي عديدة، قبل ان يتجرأ على الاتصال بها ومصارحتها بمشاعره.
كان الاتفاق المبدئي مع حبيبته ان تكون صديقته فقط، بسبب الفوارق الطبقية والطائفية بينهما، الا ان الحب اجبر الطرفين على الخضوع لارادته بعد مدة وجيزة من فهم بعضهما للآخر، وتيقنا ان البقاء سوية قدرهما المحتوم، وراحا يحلمان بيوم الزفاف، كانا يلمحان لبعضهما خيالات عن بعض احداثه، وكيف سيكون، وكيف سيترجمان عشقهما في ذلك اليوم الذي اعتبراه مقدسا، الى اقصى الحدود.
الحياء وكلام الناس الفارغ لطالما ارقت حبيبة “خالد” كلما دعته لرؤيتها، فاتخذت من الكنيسة مكانا للقاءاتها الخالدة، للسبب المذكور، والوقوف مع حبيبها على مشارف منصة فرشت بالرمل على مذبح الكنيسة، يقابلها تمثال كبيرة للسيدة العذراء وصليب توسط دكة بطول طفل في العاشرة، ليشعلا شموع الرجاء بأن تكتمل قصتهما على خير، وان تقتنع والدتها بتزويجها من “خالد”، الذي كانت تشتعل مع الشموع شرايين قلبه، تخوفا من استمرار والدتها بالرفض.
كانت سلطة النار على مشوار حبهما اكبر من اي شيء آخر، لتحرقه بقسوة بعد سنتين من محاولات اقناع والدتها بالموافقة، فقررا الانفصال والبحث عن نصفهما الآخر، وانطلق كل منهما في حال سبيله.
مر عام على الفراق، تصاعدت فيه حدة الجروح والاشواق، كان الاسوأ في حياتهما، بعد اختفاء اي وسيلة للتواصل بينهما، حتى قررت والدة “خالد” ان تبحث له عن زوجة.
وجدتها فعلا بعد ايام معدودة، ولم يبق لتمام هذه العلاقة سوى لقاء العروسين ببعضهما، بعد ان التقى “خالد” والد عروسه واقتنع الاخير بتزويجه من ابنته.
حان يوم اللقاء، كان في مساء يوم صيفي لاهب، كان “خالد” في نهاره منهمكا بذكريات حبيبته السابقة، متسائلا ما اذا كانت زيجته خيانة لحبه الاول، وهل هو جريمة لا تغتفر ام ان عليه الاستسلام للقدر فقط دون نقاش.
في هذه الاثناء رن هاتفه المحمول، الذي كشف عن رقم غير معروف بالنسبة اليه، نبض قلبه للوهلة الاولى، متوقعا ان يكون الاتصال قادما من حبيبته، فضغط بشوق على زر الاجابة الاخضر دون اي تردد، ليسمع صوتها بالفعل.صوت حمل من الارتجاف الكثير، نغمته كانت قريبة الى معزوفة “مونامور”، احتضنته اذنه بشغف عال وراحا يتحدثان عن احوال بعضهما بتكلف لم يألفاه، وبعد سؤالها عن سبب الاتصال اشرق صوتها بنبرة جديدة، وطلبت منه بأن يأتي بأهله الى منزلها لطلب يدها، بعد ان اقتنعت امها اخيرا.
صارحها بالحقيقة المرة، فاكتفت بالمباركة والتوديع السريع واغلاق الخط، واغلاقه الى الابد.
اما “خالد” فقد تزوج بعد فترة وجيزة من هذا الاتصال، ولم ينس حبيبته السابقة، سيما بعد ان منحته الاقدار المرور بصورة يومية على الكنيسة التي كانت محلا للقاءاتهما، ومرتعا للاحلام المشتركة.



