«عطر الغايب» مزامير لجماليات عذاب عراقي


كاظم غيلان
للشاعر جمعة الحلفي صدر مؤخراً كتابه الشعري (عطر الغايب) عن دار ميزوبوتاميا بواقع 175 صفحة من القطع الوسط، ولعل تسميتي له “كتاب” لها ما يبررها، اذ تضمن مختارات من المجاميع الشعرية الثلاث التي أصدرها الشاعر في مراحل وأزمنة مختلفة (ساعة ويذبل الزيتون ـ بغداد، مليت، وعطر الغايب ـ دمشق) تصدرته مقدمة وضعها الشاعر ريسان الخزعلي، فضلاً عن شهادات لعدد من مجايليه شكلت خاتمة للكتاب.
الحياتي متن رافق تجربة الحلفي الشعرية ضاج بالمرارات والرثاء وتمزقات تدمي القلب حتى يتخيل لمن يقرأها بأنه أمام شاعر ـ طفل يقف على ضفة التأمل مجهشاً بالبكاء.
أحياء فقيرة غرست أرواح أهلها بالعاصمة العراقية، حشود مسحوقة تمارس سطوة الأنين العراقي جراء فاقة وعوز ورأي سياسي مقموع وبذا كانت صرخته الأولى قد لخصت المخاض العسير: (أحزر چم جرح الروح؟) لربما يكفي هذا السؤال الصارخ ليمنحك مفتاح الدخول لعوالم هذا الشاعر الذي عجنته العذابات جيداً حتى صهرت تجربة وعيه الشعري التي نهض بها وبقوة من خلال قصائده.
تجربة الحلفي تمثل صوتاً مجدداً تبنى مهمة الثورة التي اخذت بالقصيدة العامية العراقية الى ضفاف الحداثة والتجديد، ولا سيما بعد تلك المغامرة الريادية التي تبناها مظفر النواب بدءا من “للريل وحمد”.
ولربما اراد الحلفي الاستمرار بنفسه الشعري الذي شحنته طبقات وعيه الثقافي، ليتحدى ظلمة المنفى وبرده القارس وأسراره وأي تحد جمالي هذا الذي يبوح به لنا: (سبكني لحسنك الرمان.. وأتفرط ـ مثل حبات ليلو أعله النهد ـ والكاع ما وسعت غنج ـ مرجان يتغاوه بوسط مرجان ـ حبه أهنا وحبه أهناك ـ بوسات ونوايح والروايح للسما ـ حنه وسعد مديوف هالنعسان ـ ساكت وآنه حاير ـ والغطه امنده ـ وشته امصيف بكل نيسان ـ آنه ما شايف شته أبنص الشته وعرگان)؟
تمسك الشاعر بالجمالي في منجزه لن يبعده عن اليأس وحسب انما يعمق صلته بالوجود وضروراته وبكل ما يحيط بالتجربة شكلاً ولغة وانتقالات فضائية تمزج فاجعته الحياتية بأحلام يقظة الجمال التي تبدو كأنثى مطواعة في علاقتها بالشاعر ليذهب الظلام مطروداً مذعوراً كما في بساتين الورد: (من يا نبع مرتوي؟ من ياغصن تفاح جبت ألوان لخدودك ـ من يا مجره نزلت ـ من يا سمه ويا كاع لميت الهوه لعودك ـ وك أنه مجبور ـ أنه مجبور بعيونك ـ خليني لبساتين الورد ناطور ـ محد يوصل أحدودك).
في التجارب الشعرية الحية تكتشف مديات قوتها حتى في انكساراتها، اذ تلمس مقاومة باسلة عالية دونما ضياع واستسلام، بل ولا حتى الاحباط الذي يحوم حولها كما نجدها في رثائية الحلفي لرفاق درب وأهل وناس والتي لخصها في شخصياته ـ الأب والأخ الى جانب ـ أبو كاطع واسماعيل خليل ـ: (بعيد مثل الحلم ـ وبعيد مثل النجم ـ مثل نسمه تمر ورايحه ـ وبعيد مثل البارحه ـ وقريب مثل الهم ـ مثل اسمه ومثل النوم ـ مثل كل الحدايق ـ ومثل اليوم).
في كل محاولة لهضم مرارة المنفى أو لنسميه ـ قصيدة المنفى ـ التي امتازت بها الشعرية العراقية استعيد ما ذكره الصديق الشاعر عبد الكريم هداد في فصل من كتابه (مدخل لدراسة الشعر الشعبي العراقي) وهو يشير لقصيدة الحلفي: (جانت دجله مثل العيد ـ تجري ابوسط البساتين ـ ومن فوك الجسر ـ جانت تشوف الناس كل بغداد ـ رجع بينه الزمان الأول الميعاد يا عبود)، لربما هذه الكتابة دعوة لقراءة اعمق ـ نقدياً ـ لهذا الكتاب الشعري الذي لخص تجربة ابداعية نادرة في شعر العامية العراقية للشاعر الكبير بحق جمعة الحلفي.



