اراء

الاعلام العراقي … أزمة مالية أم ضياع للهوية ؟!

2606

محمود الهاشمي

الانفجار الكبير في الاعلام العراقي بعد عام 2003 ، لم يكن متوقعا فهذا البلد الذي شهد خنقا اعلاميا على مدى زمنه المعاصر،كيف له ان يشهد في ليلة وضحاها صدور  200 صحيفة محلية ونصف هذا العدد من الاذاعات فيما تجاوزت القنوات الفضائية لأكثر من ستين فضائية !! كنت اتساءل يومها ، عن الكيفية في ادارة هذه الوسائل الاعلامية وليس لدينا من الكوادر الفنية والإدارية وأرباب التحرير بما يكفي ، لكن ما يسجل لصالح هذه السعة من عدد وسائل الاعلام انها تدار جميعا من قبل كوادر عراقية ، وهذا يعني ان العراق يخبئ دائما بين جنحيه جنودا من المبدعين يدخلون ميادين العمل حيث تتوفر الفرصة ،كما ان ما يلفت النظر ان كوادر عراقية اخرى باتت تشغل مواقع مهمة في ادارة وسائل اعلام كبرى خارج البلد !!.ولما كنت انا قريبا من هذا الميدان وشغلت مناصب عديدة اقلها (مدير تحرير) لعدة صحف عراقية مثلما عملت كمدير لقسم العلاقات والإعلام لبعض دوائر الدولة بالإضافة الى استضافتي كمحلل سياسي في القنوات العالمية والعربية والعراقية ، استطيع ان اقف على واقع الاعلام العراقي في هذه المرحلة التاريخية من عمر العراق السياسي .كنت اتصور بعد التغيير الذي حدث في العراق اننا أمام حقبة زمنية مفتوحة الافاق والأهداف وان المركزية المفرطة التي عشناها لسنوات طوال يمكن ان تنتج عصرا مزدهرا من حرية الرأي وتطبيق القيم الرفيعة للإعلام المسؤول الذي سيشارك في صناعة دولة كانت قد سلبت حريات ابنائها وسحقتهم عجلة الفاقة والعوز .. مع صدور الرزم الاولى من الصحف العراقية كان باعة الصحف يسدون علينا الطريق وكانت بورصة الصحف قرب الجامعة المستنصرية في بغداد لا تنافسها بورصة اخرى تعج بالناس والصحف والتجار والعجلات التي تتنافس لإيصال الصحيفة الى اقصى البلد قبل شروق الشمس ، وكانت المبيعات لأبسط الصحف تتجاوز ارقاما تحلم بها صحف عربية متميزة وعريقة وكان اصحاب الاقلام يتبارون في الكتابة فيما تتوالى الردود من القراء ومن ودوائر الدولة ويحسب لذلك حساب ، وفي عملي الشخصي كان كثيرون ينتظرون ما اكتب فيملؤني الحماس للمزيد مثلما ازدهرت المطابع وتطورت الطباعة واستوردت الكثير من المطابع الحديثة لسد الحاجة !! وهنا لا اقف عند النصوص السياسية بل الى جميع الابواب من فن وأدب ورياضة وعلوم وتحقيقات في مجالات شتى ولها قراؤها ومتابعوها. بعد اربعة اعوام من ذلك تدنت الصحافة في البلد ، وبدأ القراء يهجرون مطالعة الصحف ، وبدأ المستوى يتدنى على مستوى الانتاج والإخراج وعزوف عدد كبير من الاعلاميين المبدعين من مواصلة العمل وشيئا فشيئا راح اليباس يعم هذا الجانب المضيء من الحياة ليصل عدد الصحف الان الى عدد الاصابع وقلما تجد صحيفة بيد قارئ في مقهى أو مكان عام ،بل بات حملها باليد اشبه ما يكون بالغرابة وللأسباب الاتية:-
أولا- ان معظم الصحف العراقية مملوكة لأحزاب سياسية أما انها لم تواصل العمل السياسي أو انها انحسر عملها فانحسرت معا صحيفتها وباتت تشبهها تماما. أما الأحزاب التي ظلت متصدية للعمل السياسي فان اميتها وبساطة قادتها باتوا لا يرون في الصحافة اهمية ،وقللوا من الانفاق عليها وجلبوا شخصيات بعيدة عن الاعلام ليتسنموا مناصبها المهمة فاضمحلت وغابت وان صدرت.
ثانيا- الصحف المستقلة اتعبها الجانب المالي
فاعتمدت الاعلان سبيلا لجلب النفقات وهذا غير مضمون وغارق في الفساد من قبل موظفي الدوائر الحكومية فانحصر عددها في اصدار بضعة اوراق تتصدرها الاعلانات لا غير ونسخ قليلة جدا.
ثالثا- الزيادة في عدد القنوات الفضائية والإذاعات والانترنت كان ايضا سببا مهما من ضمور الصحافة في البلد.
السؤال الذي ربما نسأله :- هل ادى الاعلام العراقي رسالته في المشاركة في صناعة دولة ومواجهة التحديات التي مر بها البلد ؟.
ان من ابرز مظاهر اتساع الاعلام في العراق انتشار ظاهرة الفساد في هذا القطاع وتعدد مصادره وتنوعها ،حيث ادت هذه المعادلة بين المال والإعلام الى افساد المشروع الاعلامي في العراق وان الخوض في تفاصيلها لا تنفع لكنها جزء من الواقع السياسي الفاشل والفساد الاداري والمالي الضارب في البلد والذي صنف العراق في ضوئه على انه الثاني عالميا .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى