اخر الأخبارثقافية

التشكيلي نمير الكناني وسيرة المقاومة بالفن

المراقب العراقي / ماجد حميد..

تظل مدينة الصدر عصيَّة على النمطية؛ فهي ليست مجرد امتداد جغرافي أو كثافة سكانية، بل هي مختبر إنساني واجتماعي فريد، صهرت المحن طينه فخرجت منه قامات إبداعية استثنائية. من قلب هذه المدينة السمراء، وتحديدا في فضاءاتها الممتدة بين القطاعين (32 و40)، تولد سيرة الفنان التشكيلي نمير الكناني، لتشكل نموذجا حيا لجيل من المبدعين الذين اختاروا “المقاومة الصامتة” سبيلا، متخذين من نقاء الفن درعا ضد التوظيف السياسي والبروباغندا الحزبية البعثية.

لقد آثر الكناني الاعتماد على محترفه الخاص وعمله الحر، زاهدا في المناصب الإدارية أو الثقافية الحكومية التي كانت تفرض في عقود مضت ولاءً فكريًا أو سياسيا للنظام الحاكم. هذا الانحياز للمجتمع والذاكرة البصرية المحلية هو ما جعل من اسمه علامة فارقة في المشهد الثقافي للمدينة.

يُصنف الكناني كأحد أقدم وأوائل الخطاطين والرسامين في المدينة السمراء. وفي زمن كان فيه الخطاط يمثل “المركز البصري والثقافي” للحي، ارتبط خطه بنبض الناس اليومي؛ فكان هو من يمنح البيوت والمحال التجارية هويتها البصرية، وهو من يوثق المناسبات الاجتماعية.

ولم يكن الحرف عنده مجرد تزيين، بل كان موقفا؛ إذ تجلى هذا الحضور في لافتات شهر محرم الحرام، حيث تحول الحرف العربي على يديه إلى أداة تعبير حي عن الانتماء لثقافة الرفض ومقاومة الظلم، مستلهما من الثورة الحسينية قيمها الإنسانية والتحررية.

لم تقفْ تجربة الكناني عند حدود الحرف والخط العربي، بل خاض في ثلاثة محاور تشكيلية بالغة التعقيد، جمع فيها بين:

 الخط العربي: بأصالته وقواعده الصارمة.

 الرسم التشكيلي: المستوحى من روح البيئة والتراث العراقي.

 النحت المحترف: ذي المضامين الإنسانية والواقعية.

في شبابه عاصر الكناني عمالقة النحت العراقي وتأثر بالمدارس الرائدة، لاسيما مدرسة جواد سليم ومدرسة خالد الرحال. هذا الاحتكاك المعرفي والبصري صقل مهاراته في التعامل مع الكتلة، وفي صبِّ وتشكيل المجسمات النحتية التي تُعلي من شأن الإنسان وقضاياه الواقعية، بعيدا عن جداريات النصب والتماثيل التي كانت تمجد الحروب والأنظمة.

على الرغم من تعاقب العقود وتبدل أحوال المدينة والبلاد، بقي الكناني متمسكا بمرسمه ومهنته، وظل حضوره راسخا في المعارض التشكيلية والنحتية التي تقيمها وزارة الثقافة وجمعية الفنانين التشكيليين في العراق، حيث تُصنف أعماله النحتية اليوم ضمن الاتجاهات التي تكرس الأسلوبية الرصينة والمحتوى الفكري المستدام.

هذه الكاريزما الفنية والاجتماعية جعلت منه معاصرا وصديقا مقربا لأغلب فناني وشعراء ومثقفي المدينة التنويريين، ليمتد هذا الأثر الإبداعي وينبت داخل بيته؛ حيث نقل أسرار التشكيل والرسم والنحت إلى ابنته، الفنانة التشكيلية الشابة نور نمير الكناني.

إن قصة نمير الكناني لا تنتهي عند لوحة أو منحوتة، بل تُثمر اليوم في مواصلة ابنته للمسيرة في المحافل الفنية العراقية، مدعومة بحضور تشجيعي مستمر من والدها، في صورة تجسد أبهى معاني تواصل الأجيال الفنية داخل بيئة وَلادة، يثبت مبدعوها يوما بعد يوم أن طين مدينة الثورة لا يزال قادرا على صياغة الجمال والخلود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى