اراء

الحزن يخيم على تل أبيب وارتباك الأصوات العربية أمام التحولات الأمريكية الإيرانية

بقلم: د. بسام روبين..

في الوقت الذي تُدار فيه التفاهمات الدولية خلف أبواب السياسة المغلقة، وتعاد صياغة أولويات النفوذ وموازين القوى، يبدو أن المشهد في تل أبيب لم يعد محصورا في دائرة القلق السياسي التقليدي، بل أخذ يتجه نحو حالة من الترقب والارتباك الاستراتيجي إزاء أية تفاهمات محتملة بين واشنطن وطهران.

وهذا القلق الإسرائيلي لا يُقرأ بوصفه رد فعل عابرا، بل باعتباره انعكاسا لإدراك متزايد بأن السياسة الأمريكية، مهما بدت ثابتة في تحالفاتها، تبقى محكومة بمنطق المصالح العليا وإعادة ترتيب الأولويات وفق متغيرات الاقتصاد والطاقة والاستقرار الإقليمي والتنافس الدولي. ومن هنا، تتصاعد داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية تساؤلات متكررة حول حدود التأثير في القرار الأمريكي، وحول مدى قدرة منظومات الردع والتحالفات التقليدية على الاستمرار في بيئة إقليمية ودولية أكثر سيولة وتحولا.

وفي المقابل، يفتح هذا المشهد بابا أوسع للنقاش داخل الساحة العربية، لا سيما تجاه بعض الأصوات العربية التي بنت قراءتها السياسية على افتراض أن إسرائيل تمثل مركز الثقل الثابت الذي لا يتغير، وأن الاصطفاف خلف روايتها أو التعويل على موقعها في المعادلات الدولية يشكل خيارا استراتيجيا طويل الأمد.

ومع كل تحول في اتجاهات السياسة الدولية، تجد هذه الأصوات نفسها أمام اختبار جديد يفرض إعادة التفكير في جدوى الرهانات الخارجية، ويعيد طرح سؤال الاستقلال السياسي وأولوية المصالح الوطنية على حساب الاندفاع خلف استقطابات إقليمية أو دولية متغيرة.

ولا خلاف على أن الاعتراض على أي تقارب أمريكي إيراني يبقى موقفا سياسيا مشروعا متى استند إلى قراءة واعية للمصالح الوطنية أو القومية، إلا أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الموقف إلى مجرد انعكاس لمعادلات خارجية أو تبني غير نقدي لخطابات لا تعبر بالضرورة عن مصالح الشعوب بقدر ما تعبر عن حسابات سياسية ظرفية.

فقد أثبتت تجارب السياسة الدولية أن الدول الكبرى لا تتحرك بمنطق الوفاء الدائم ولا وفق اعتبارات العاطفة السياسية، وإنما وفق معادلات المصالح وتبدل الأولويات، وما يبدو اليوم تحالفا راسخا قد يصبح غدا قابلا لإعادة التموضع متى تغيرت الظروف وتبدلت موازين القوة.

وفي خِضَمِّ هذا المشهد المتحول، قد يكون الدرس الأهم أن التأريخ السياسي لا يرحم من يبني خياراته على ثبات الآخرين، ولا يكافئ من يراهن على نفوذ مستعار. فالتحالفات تتغير، والتفاهمات تعاد صياغتها، أما الدول التي تبقى واقفة فهي تلك التي استثمرت في استقلال قرارها، وبنت قوتها من داخلها لا من خلال الآخرين. وحين تعاد كتابة خرائط النفوذ، لن يكون السؤال، من كان الأقرب إلى القوى الكبرى؟ بل من كان الأكثر قدرة على حماية مصالحه حين تغيرت اتجاهات الريح؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى