اراء

ما بعد هرمز.. تداعيات الجغرافيا الاقتصادية على قواعد الاقتصاد العالمي

بقلم: زياد ناصر الدين..

كشفت أزمة مضيق هرمز حجم الترابط بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي، إذ انعكست التطوّرات الميدانية بشكل مباشر على أسعار النفط والذهب، وكُلف الشحن والتأمين، ومعدلات التضخّم العالمية، فضلاً عن توجّهات البنوك المركزية وسياساتها النقدية. كما دفعت هذه التحوّلات العديد من الدول إلى البدء في استراتيجيات أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات.

وفي ظلّ هذه المتغيّرات، يقف الاقتصاد العالمي أمام مرحلة مفصلية تتجاوز التداعيات الآنية للأزمة نحو إعادة رسم خريطة التجارة والطاقة والاستثمار الدولية، وسط تساؤلات متزايدة حيال مستقبل النمو الاقتصادي العالمي وقدرة الأسواق على التكيّف مع عالم باتت فيه الجغرافيا الاقتصادية والسياسية عاملاً حاسماً في صياغة القرارات الاقتصادية والنقدية.

ماذا تعني إعادة فتح مضيق هرمز؟

إنّ الاقتصاد العالمي سيدخل مرحلة عنوانها الرئيس الانتقال من اقتصاد الصدمة إلى اقتصاد التعافي التدريجي. وإذا كان إغلاق المضيق قد أطلق سلسلة من الاضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، فإنّ إعادة فتحه تفتح الباب أمام مسار معاكس قد تنعكس آثاره على عدد من المؤشرات الاقتصادية الرئيسة.

أبرز التداعيات الاقتصادية:

1تراجع أسعار النفط العالمية: سيؤدّي فتح مضيق هرمز وعودة تدفّقات النفط والغاز إلى إزالة جزء كبير من المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية التي أضيفت إلى الأسعار خلال الحرب.

2انحسار الضغوط التضخّمية العالمية: مع انخفاض أسعار الطاقة وتراجع كلف النقل والتأمين، ستتراجع الضغوط التضخّمية التي واجهتها الاقتصادات الكبرى خلال الأشهر الماضية، ما يمنح المستهلكين والشركات متنفّساً مالياً أكبر.

3عودة البنوك المركزية إلى مسار خفض الفائدة: أحد أهمّ نتائج الاتفاق يتمثّل في تراجع احتمالات رفع أسعار الفائدة، وعودة الحديث عن تخفيف السياسة النقدية في أوروبا والولايات المتحدة بعد أن كانت صدمة النفط تهدّد بإعادة إشعال التضخّم.

4انتعاش الأسواق المالية: من المتوقّع أن تستفيد أسواق الأسهم من تراجع المخاطر السياسية وانخفاض كلفة الطاقة، ما يدعم الأرباح في الشركات ويعزّز شهية المستثمرين تجاه الأصول الخطرة بدلاً من اللجوء إلى الملاذات الآمنة.

5انخفاض كلفة الشحن: شهدت فترة إغلاق مضيق هرمز ارتفاعاً كبيراً في رسوم التأمين البحري وكلفة الشحن، ومع عودة الملاحة الطبيعية ستتراجع هذه التكاليف تدريجياً، الأمر الذي يخفّف الأعباء على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

6تحسّن آفاق النمو العالمي: بعد أشهر من المخاوف من الركود التضخّمي، سيؤدّي استقرار إمدادات الطاقة إلى رفع توقّعات النمو في الاقتصادات المستوردة للنفط، خصوصاً في أوروبا وآسيا، اللتين كانتا الأكثر تضرّراً من الأزمة.

عوائق أمام التعافي السريع

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإنّ التعافي لن يكون فورياً. فإعادة حركة الشحن إلى مستوياتها الطبيعية تتطلّب إزالة المخاطر الأمنية، وإصلاح بعض البنية التحتية، وإعادة الثقة لشركات التأمين والنقل البحري. كما أنّ أيّ تعثّر في تنفيذ الاتفاق قد يعيد الأسواق إلى حالة التوتر سريعاً.

يمكن القول إنّ اتفاق الولايات المتحدة وإيران بشأن مضيق هرمز، إذا صمد سياسياً وأمنياً، قد يشكّل أكبر عامل دعم للاقتصاد العالمي خلال عام 2026، لأنه يخفّف ضغوط الطاقة والتضخّم والفائدة في آن واحد. وبذلك ينتقل العالم من مرحلة الخوف من الركود التضخّمي إلى مرحلة البحث عن استعادة النمو والاستقرار المالي، بعد واحدة من أخطر أزمات الطاقة والتجارة البحرية في العقود الأخيرة.

ولا يُنظر إلى الاتفاق الأمريكي – الإيراني وإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بوصفه مجرّد تسوية أمنية ودبلوماسية عابرة، بل باعتباره حدثاً مفصلياً يحمل أبعاداً عميقة في الاقتصاد السياسي العالمي. فالمضيق الذي شكّل خلال الأزمة نقطة اختناق للتجارة والطاقة العالمية عاد ليؤكّد أنّ أمن الممرات الاستراتيجية بات جزءاً لا يتجزأ من معادلة الاستقرار الاقتصادي الدولي.

ومن شأن نجاح هذا الاتفاق أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة في أسواق الطاقة، وتراجع الضغوط التضخّمية، وتحسّن مناخ الاستثمار والتجارة العالمية، ما ينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي في مختلف القارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى