جبل الحزن


غسان عباس محسن
لاح في عيني “حاتم” شيء آخر غير الدمع الذي لم يسمح له ان يتجاوز حدود جفنيه، وهو حزن عميق لم يكن احد يستطيع معرفته باستثناء زوجته التي كانت تنظر اليه في تلك اللحظات. ربّتت على كتفه الممتلئة بعد ان احتضنها بشكل عفوي ليخفف بذلك من بعض الحزن الذي تراكم فوق صدره كجبل كبير، وبعد ان سار بخطى منكسرة الى داخل المنزل، فيما كنت زوجته الصابرة ترمقه بنظرة امتزج فيها الشعور بالعجز والشفقة، عاد ليصوب بصره نحوها بعد ان تمالك نفسه ثم خاطبها بنبرة منفعلة : لماذا لا يتركونني وشأني”!
لم تجبه، ذلك انه واصل كلامه وهو يلوح بقبضة يده في الهواء، وكأنما كان يريد بذلك ان يهدد من تصورهم وقفوا امامه في تلك اللحظات: لماذا لا يتوقفون عن سؤالي؟ هل صار لديكم شيء؟
خارت قواه وصار يلهث بعد ان لفظ تلك الكلمات بصعوبة، فجلس على الارض وأسند ظهره إلى الجدار المتآكل بفعل الرطوبة، فيما كانت قطة تعبث بالأرض على مقربة منه، وكأن شيئاً مما يدور حولها لم يكن يعني لها شيئاً. رفع رأسه بعد ان شعر بشيء من الدفء الذي ألقاه ظلها على جسده الساكن، عندما وقفت فوق رأسه، فابتسم وكأنما ليعتذر لها عن عجزه وعدم قدرته على فعل أي شيء. فابتسمت بدورها لتشجعه على مواجهة محنته ولتزرع الأمل في نفسه من جديد، فتشجع على طرح شيء من الهموم التي تراكمت فوق صدره كجبل عظيم: ماذا يتوجب عليَّ ان افعل؟ صرت أتجنب لقاء الناس ما أمكنني ذلك لكنهم لم يتوقفوا عن طرح السؤال نفسه مع اي فرصة تتاح لهم.. الم يصبح لديكم طفل بعد؟!
خفض رأسه بعدما زفر بعض أحزانه بذلك الكلام، ثم احس بكفها الدافئة وهي تلامس كفه، فنهض، ولكن شحنات الحزن ظلت تجوب سماء صدره، كما ان بعض الكلمات ظلت عالقة في حنجرته فسألها: ماذا افعل لهم ان كانوا لا يريدون ان يفهموا باني…
مدت كفها الناعمة الى شفته لتمنعه عن ذكر تلك الكلمة، ذلك انها كانت تدرك ان ازاحة كل الأحزان والهموم من صدر زوجها دفعة واحدة هو امر يصعب عليها ان تحققه، لكنها حاولت ان تنقل عدوى الابتسامة المتفائلة من عينيها الى عيني زوجها، فأفلحت في ذلك اخيراً ولسان حالها يقول: الله كريم، وهو قادر على ان يحقق لنا تلك المعجزة.
وفي لحظة ما ساد الصمت بينهما ورفع “حاتم” رأسه نحو السماء فيما كانت زهرة الآمل تتفتح في قلبه من جديد.



