تأخر تشكيل الحكومة يعيق إقرار الموازنة ويعقد المشهد الاقتصادي

في ظل الأزمة المالية المتفاقمة
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
وسط التحديات الاقتصادية المتصاعدة والضغوط المالية المتزايدة، مازالت البلاد تشهد غياب الموازنة العامة، ورغم مرور أربعة أشهر على بداية السنة المالية، لا تزال الأحزاب الفائزة منشغلة بالصراع حول رئاسة الوزراء، غير مدركة لحجم المخاطر الناجمة عن غياب الموازنة، في وقت تتجه فيه الأنظار الى مجلس النواب الذي ينشغل بقراءة قوانين جدلية بعيدة عن أولويات المواطن، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الأولويات التشريعية ومدى انسجامها مع الواقع الاقتصادي المتدهور.
الموازنة العامة تمثل العمود الفقري لإدارة الدولة مالياً، وغيابها لا يعني فقط تعطيل المشاريع الاستثمارية، بل يمتد تأثيره ليشمل قدرة الحكومة على تسيير شؤونها اليومية، وفي ظل اعتماد العراق على الإيرادات النفطية بنسبة تتجاوز 90 بالمئة، يصبح أي خلل في تنظيم الانفاق أو التراجع في العائدات النفطية، تهديداً مباشراً لاستقرار الرواتب والانفاق التشغيلي، ومع تعقيدات ملف تصدير النفط والتحديات الاقتصادية التي خلفتها أمريكا وكيانها اللقيط بالمنطقة، تتفاقم الأزمة بشكل يفرض ضرورة التحرك العاجل.
ويرى مراقبون، ان “استمرار تأخير إقرار الموازنة يعكس خللاً عميقاً في إدارة الملف الاقتصادي، خاصة مع غياب رؤية واضحة لمعالجة الثغرات في الاقتصاد العراقي، فبدلاً من التوجه نحو تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، تستمر السياسات المالية في الدوران ضمن نفس الحلقة المغلقة، ممّا يزيد من هشاشة الوضع المالي ويجعل البلاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية.
في المقابل، يثير توجه البرلمان نحو مناقشة قوانين غير مجدية للمواطن، مثل قانون التجنيد الإلزامي، استياءً واسعاً في الأوساط الشعبية، حيث يعتبر كثيرون، ان هذه القوانين لا تمثل أولوية في ظل الظروف الراهنة، فالمواطن العراقي يواجه تحديات يومية تتعلق بتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وضمان استقرار الرواتب، وهي قضايا ترتبط بشكل مباشر بوجود موازنة واضحة تضع أسساً للإنفاق وتحدد مسارات التنمية.
كما ان غياب الموازنة يحد من قدرة أية حكومة على اتخاذ قرارات مالية استراتيجية، مثل اللجوء الى الاقتراض الداخلي أو الخارجي، أو إدارة السيولة النقدية بشكل فعّال عبر البنك المركزي، فالموازنة تمنح الغطاء القانوني لهذه الإجراءات، وبدونها تبقى حكومة تصريف الأعمال مقيدة بخيارات محدودة لا تواكب حجم التحديات، وهذا ما يدفع البلاد في كثير من الأحيان الى اعتماد قاعدة 1 على 12، وهي آلية مؤقتة تتيح الإنفاق الشهري على أساس موازنة السنة السابقة، لكنها لا تمثل حلاً مستمراً ولا تسمح بتنفيذ مشاريع جديدة أو خطط تطويرية.
ويرى مراقبون، ان هذا الفراغ المالي لا يمر دون أثر، إذ يضعف الثقة بالعملية السياسية برمتها، ويكرّس لدى الشارع شعوراً بأن الطبقة الحاكمة غير معنية بإيجاد حلول حقيقية ويربك المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، ويؤثر سلباً على استقرار السوق، خصوصاً في ظل تقلبات أسعار النفط وتذبذب سعر الصرف.
وفي المقابل، يزاد القلق ويعلو صوت التحذير في المحافظات، بسبب ازدياد المشاريع المتوقفة، وغياب الإنفاق الحكومي، وهذا الحال قد يفتح المجال أمام توترات محلية، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات وارتفاع معدلات البطالة.
وفي السياق نفسه، أكد عضو اللجنة المالية جمال كوجر في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “إقرار قانون الموازنة العامة يقع ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية”، مشيراً إلى أن “مجلس النواب بانتظار استكمال تشكيل الحكومة من أجل المضي بعملية التصويت على القانون”.
وأوضح كوجر، أن “أي تشريع يتضمن جوانب مالية يجب أن يُقدم من قبل الحكومة، باعتبارها الجهة المختصة بإعداد السياسات المالية وإدارة الإنفاق العام”، لافتاً إلى أن “البرلمان لا يمكنه المضي بمثل هذه القوانين دون وجود حكومة مكتملة الصلاحيات”.
وفيما يتعلق بالوضع المالي، استبعد كوجر، حدوث أزمة مالية خلال الفترة القريبة، مؤكداً، أن رواتب الموظفين مؤمنة للأشهر الستة المقبلة وفق آليات معينة، مشيراً في الوقت عينه إلى أن “المخاوف قد تبدأ بالظهور بعد هذه الفترة في حال استمرار توقف عمليات التصدير النفطية”.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة للإسراع بتشكيل الحكومة، ووضع الموازنة على رأس جدول أعمالها باعتبارها الخطوة الأساسية نحو استعادة التوازن المالي في ظل الظروف الراهنة.



