ثنائية الغربة والوطن في أعمال التشكيلي كريم سعدون

المراقب العراقي /المحرر الثقافي…
يقوم الأسلوب التشكيلي لدى الفنان كريم سعدون على بنية تعبيرية رمزية تمنح الشكل حرية التحول وفق الحاجة النفسية للعمل فتتداخل الخطوط الحرة مع البنى الهندسية في علاقة دقيقة تجمع بين الانفعال والعقل وبين العفوية والتنظيم وهذا التوازن لا يأتي بشكل اعتباطي بل يعكس قدرة الفنان كريم سعدون على ضبط الفوضى الداخلية داخل نظام بصري واعٍ يخلق حركة مستمرة داخل اللوحة.
وقال سعدون في تصريح خص به “المراقب العراقي “: إن ” اللوحات التي تحمل بعدًا إنسانيا تكون الأقرب إلى نفس المتلقي لاسيما التي تتحدث عن غربة الوطن والتي عاشها معظم التشكيليين العراقيين على اعتبارها واقع حال فرضته الظروف”.
وأضاف: إن ” الغربة المكانية تُعد من أصعب أنواع المعيشة في ظل مجتمعات غريبة عن القادم لها من مجتمع آخر ولكن الأصعب منها هو الغربة النفسية التي تعني العذاب الداخلي الذي يظهر في لوحات الفنانين على شكل ألوان وخطوط تعطي المعنى الحقيقي للغربة”.
وبهذا المعنى ترى الناقدة أميرة ناجي: أن “تجربة الفنان كريم سعدون تشكل رحلة مستمرة داخل سؤال الهوية لا باعتبارها معطى جاهزًا بل كعملية بحث لا تنتهي إذ تتحول اللوحة لديه إلى فضاء فكري يعيد بناء الذاكرة ضمن نظام بصري معاصر حيث لا تكون الصورة انعكاسًا لما كان بل إعادة خلق لما يمكن أن يكون”.
وأضافت :” ليست الغربة دائمًا ابتعادًا عن المكان بقدر ما هي انزياح داخلي يعيد تشكيل الذاكرة ويعيد تعريف الذات داخل مساحات غير مألوفة وحين يعجز الإنسان عن حمل وطنه في يديه يحمله في رؤيته وفي لغته وفي الأثر الذي يتركه على الأشياء وهنا يصبح الفن ضرورة وجودية لا ترفًا جماليًا بل فعل بقاء يعيد ترميم ما تصدّع في الداخل ويمنح الروح قدرة جديدة على الاستمرار”.
وأوضح :”أن أعماله لا تظهر فيها الغربة كحادثة زمنية مرتبطة بالرحيل بل كحالة وجودية تتسلل إلى تفاصيل العمل الفني فتؤثر في طبيعة الخط وفي حركة اللون وفي بنية التكوين العام لتصبح اللوحة مساحة تفاوض بين زمنين ووعيين بين ما تم فقده وما يمكن استعادته عبر الذاكرة البصرية التي يعيد الفنان كريم سعدون تشكيلها بإحساس عالٍ ووعي دقيق وتتأسس تجربته على تحويل الإحساس الفردي إلى خطاب بصري يتجاوز خصوصيته ليصل إلى المتلقي كتجربة إنسانية عامة حيث لا يعود الألم شخصيًا بل يتحول إلى لغة مشتركة يمكن قراءتها عبر اللون والإيقاع والتوتر الداخلي للعناصر، وهنا تكمن قوة العمل في قدرته على الانتقال من الخاص إلى الكوني دون أن يفقد صدقه العاطفي”.
وبيَّنَ :”أما على مستوى التكنيك فإن تجربة الفنان كريم سعدون تعتمد على تراكم الطبقات اللونية التي تُبنى تدريجيًا فوق سطح اللوحة مما يمنح العمل عمقًا زمنيًا يشعر معه المتلقي بأن اللون يحمل ذاكرة خاصة به وأن كل طبقة هي أثر لمرحلة من التحول والتجربة وهذا التراكم لا يضيف بعدًا بصريًا فقط بل يخلق إحساسًا زمنيًا يجعل اللوحة أقرب إلى سجل داخلي”.
وأشار الى أن”اللون في تجربة الفنان كريم سعدون ليس عنصرًا زخرفيًا بل بنية فكرية أساسية تتشكل من خلالها رؤية العمل فهو لغة قائمة بذاتها تحمل دلالات نفسية وثقافية عميقة، فالأحمر يظهر توترًا بين الجرح والحياة بين الألم والقوة بينما يتخذ الأزرق بعدًا روحيًا يفتح المجال للتأمل والبحث عن صفاء مفقود، أما الأسود فيحضر كثقل بصري يعكس عمق التجربة الإنسانية داخل المنفى ويمنح العمل لحظات صمت تأملي تتوازن مع انفجارات اللون”.
ولفت الى أن”هذا التداخل اللوني لا يتم بشكل عشوائي بل يعكس صراعًا داخليًا بين الانتماء والاغتراب بين الحضور والغياب حيث تتحول اللوحة إلى ساحة حوار صامت بين هذه الثنائيات المتضادة التي تشكل جوهر التجربة الإنسانية المعاصرة وترتبط هذه المعالجة بوعي عميق بالإرث الحضاري العراقي حيث يستلهم الفنان كريم سعدون روح الحضارات القديمة دون الوقوع في فخ التكرار أو النقل المباشر فتظهر الإشارات البصرية المستوحاة من النقوش الرافدينية ومن إيقاع الخط العربي كعناصر مندمجة داخل التكوين لا كرموز منفصلة بل كجزء من بنية العمل نفسه وكأن الماضي يتنفس داخل الحاضر دون أن يفقد حداثته”.
وأكمل :إن” ارتباط تجربة الفنان كريم سعدون بالإرث الحضاري لا ينبع من حنين نوستالجي بقدر ما هو محاولة لإعادة تعريف الهوية العراقية ضمن سياق عالمي معاصر حيث يعمل الفنان كريم سعدون على تفكيك الرموز التقليدية وإعادة صياغتها داخل لغة بصرية حديثة تؤكد قدرة الثقافة على التجدد والاستمرار”.



