اراء

التعليم العالي ومهمة التنمية الصناعية

يصحُ القول إنَّ الصِناعَةَ تبرز أَهمِّيتها فِي المعاونةِ بدعمِ الاقْتِصاد الوَطَنِيّ وَرفعِ مستوى معيشة الشُعوب عبر مَا توفره مخرجاتها مِنْ عاداتٍ مَالِيَّة تفضي إلى رَفاهيةِ الإنْسَان، فضلاً عَنْ كونِها وَسيلة مهمة لامتصاصِ الأيدي العاملة الفائضة عَنْ حاجةِ القِطاعات الاقْتِصاديَة الأخرى. ويضافُ إلى ذلك مُسَاهَمَتها فِي تَطوير بقيةِ النَّشَاطُات الاقْتِصاديَة، وَلاسيَّما الزِرَاعَة، التِجارة، وَالنَّقل بما تقدمه مِنْ منتجاتٍ أساسية، مثل الأسمدة، الآلات الزَّرَّاعية، مواد الطَّاقَة، وَسائل النَّقل الحديثَة وَغيرها. وَضمن هَذَا السياقِ تسعى القيادات الإداريَّة فِي الكثيرِ مِنْ بلدانِ العالم إلى ايلاءِ سلامة المنتج المَحَلّيّ اهتماماً خاصاً، لأجلِ المحافظةِ عَلَى مقدراتِها الوَطَنِيَة، فضلاً عَنْ حرصِها عَلَى الاسْتِثْمارِ العقلاني للمواردِ وَالثروات الطَبيعيَّة، الأمر الَّذِي يلزمها توجيه إدارات منشآتها الصِناعَية حول ضرورة بذل أقصى مَا يمكن مِنْ الجهودِ صوب تعزيز متطلبات العملية الإِنْتَاجية بمفاصلها كافة، وَلاسيَّما الإعداد المنظم والكفء للقوى العاملة بما يجعلها مهيأة للتكيفِ مَعَ بيئةِ العمل، بالإضافةِ إلى تمكينِها مِنْ تحقيقِ أهدف المنشأة فِي مواجهةِ مُشْكِلات الإِنْتَاج، ومعالجتها بإجراءاتٍ سريعة؛ لأجلِ تصحيح ما يظهر مِنْ انحرافاتٍ فِي مختلف مراحل العملية الإِنْتَاجية، إذ رُبَّما تكون كافية لإحداثِ أضرارٍ بطبيعةِ المنتج وَتشوهات بنوعيته وَمواصفاته القياسية، فضلاً عَنْ المخاطرِ الصِحية وَالآثار البيئية الَّتِي يمكن أَنْ تترتب عَلَى هَذَا الواقع، وَالَّذِي قد تؤدي نتائجه السلبية إلى عزوفِ المستهلك عَنْ التعاملِ مَعَ مثلِ هَذه المنتجات.
إنَّ ضخامةَ مُشْكِلات البلاد الموروثة مِنْ مخاضات المراحل السابقة، وَتزايد مخاطر تداعياتها فِي المرحلةِ الانتقالية الَّتِي أعقبت التغيير السِّياسِيِّ، لا تبرر إغفال القيادات الاداريَة مُهِمّة مطابقة ما ينفذ مِنْ مَشْروعاتِ مَعَ مَا مخطط لها. إذ يستوجب حسن تنفيذها إيلاء الإدارات مسألة مراقبة أداء تنفيذ مراحلها كافة اهتماماً خاصاً. وَعلَى وفقِ هَذِه الرؤية، يَنْبَغِي أَنْ لا تقتصر مهمة الجامعة عَلَى رفدِ القِطاع الصِناعيّ بمواردٍ بَشَريَّة متضلعة بالنواحي العِلْميَّة المهنية النظرية وَالتطبيقية، إنما تتجاوز حدود هَذِه الغايةِ إلى أفقٍ أكثرُ سعة بحثاً عَنْ سُّبُلٍ بوسعها المُسَاهَمَة عبر توظيف المناهج البحثية بفاعليةٍ فِي ديمومةِ مسيرة الإِنْتَاج الصِناعيّ وَتطوير آلياته عَلَى وفقِ تطلعات هَذَا القِطاعِ الحيوي فِي تنفيذِ الخطط والبرامج الهادفة لتحقيقِ خطوات نحو الاكتفاء الذاتي فِي مجالِ الصِناعَة انسجاماً مَعِ اِستراتيجية التَّنْمِيَة الوَطَنيّة.
لا مغالاةً فِي القولِ إنَّ معطياتَ الواقع الصِناعيّ العراقي مثقلة بكثيرٍ مِنْ المُشْكِلاتِ وَالهموم الَّتِي ساهمت بتراجعِ هَذَا القِطاع الحيوي، عَلَى الرغمِ مِنْ عراقةِ الكثير من مكوناته. وهو الأمر الَّذِي يفرض عَلَى إدارةِ التَّعْلِيم العالي وَالبَحث العِلميّ التَّخْطِيط لِمدِ جسور التعاون البحثي مَعَ المُؤَسَّسَاتِ الصِناعيَّة؛ لأجلِ تلبيةِ متطلبات تَّنْمِيَة القِطاع الصِناعِيّ مِنْ خلالِ صياغة استراتيجية مستقبلية لمَشْروعاتِ الدراسات العليا، وَالَّتِي بوسعِ آليات برامجِها إِنْتَاج أنْشِطَة بحثية بمقدورِها المُسَاهَمَة فِي تقديم معالجات مبتكرة للمُشْكِلاتِ الَّتِي تتعرض لها مختلف الفعاليات الإِنْتَاجية الخاصَّة بالقِطاعِ الصِناعِيّ المَحَلّيّ على وفقِ المعايير العِلْميَّة المعتمدة فِي الدراساتِ العليا.
فِي أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى