عون يبني رؤية أحادية للواقع اللبناني .. التفاوض من دون توافق وطني

بقلم: علي عبادي..
كان خطاب رئيس الجمهورية جوزيف عون الموجَّه إلى اللبنانيين، لمناسبة “وقف الأعمال العدائية”، هجوميًا بطريقة حادة.. في اتجاه الداخل.
هي الكلمة الأولى له بعد هدنة الأيام العشرة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي نسبها الرئيس عون إلى جهود ترامب ثم السعودية، متغافلًا عن ضغوط الجمهورية الإسلامية في إيران، والتي أثمرت في طلب ترامب من حليفه نتنياهو وقف النار في لبنان، بعدما أعطاه ترامب استثناءً من هذا الالتزام في البداية، مدّعيًا أن لبنان ليس مشمولًا بالهدنة “بسبب وجود حزب الله”. وقد حرص عون، في كلمة معدّة سلفًا، على تقديم نفسه صاحب الموقف والكلمة الفصل في لبنان، وقرن ذلك بوقفة صارمة ولغة جسد أسعفته قليلًا في الخروج من رتابة الصورة.
هناك أشياء قالها الرئيس عون تستحق التوقف، وأخرى لم يتطرق إليها البتة. يمكن الإشارة إلى بعض هذه القضايا، كما يأتي:
تغافل الرئيس عون عن توضيح موقفه من دعوة ترامب لمحادثة هاتفية بينه وبين رئيس وزراء العدو، والتي بقيت بملابساتها محلَّ أخذٍ وردٍّ يوم الخميس الماضي. لكنه أكد في خطابه أنه “مستعد لتحمل المسؤولية كاملة عن هذه الخيارات (المفاوضات مع العدو)، ومستعد للذهاب حيثما كان لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي”. والحقيقة أن الرئيس عون لم يتحرك من مكانه طيلة الحرب، ولم يأخذ أي موقف قوي من العدوان على بلده وشعبه، ما خلا بيانات صدرت بين وقت وآخر اتّسم بعضها بالضعف، كما حصل عند تراجعه عن تغريدة سابقة بتسمية العدو في قصف أدى إلى استشهاد عسكريين من الجيش في الجنوب.
وقد أوضح في خطابه، بما لا يقبل مجالًا للشك، أن خطته الوحيدة لتحقيق هدفه هي المفاوضات المباشرة مع العدو، بالاستناد إلى دعم الجانب الأمريكي حليف هذا العدو.
اعتبر عون أن “ما تحقق من وقف لإطلاق النار كان خلاصة جهود الجميع، هو ثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم. وهو ثمرة الذين صمدوا في بيوتهم وقراهم على خطوط النار، وهو ثمرة جهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وهو ثمرة جهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم”. ووصل إلى توجيه “الشكر والامتنان إلى كل من ساهم بإنجاز وقف النار، بدءًا من الرئيس الأميركي الصديق دونالد ترامب، وصولًا إلى الأشقاء العرب جميعًا، وفي مقدّمهم المملكة العربية السعودية. نعوّل على صداقتهم جميعًا…”.
في هذه النقطة، نسي رئيس الجمهورية اللبنانية حضور المقاومين الأبطال الذين واجهوا جيشًا مدعومًا بأحدث التكنولوجيا والمعدات التي وفرها “الصديق” الأميركي، ومنعوه من توسيع سيطرته باتجاه نهر الليطاني وما بعد الليطاني. نسي أن يذكر أن هؤلاء أخذوا على عاتقهم مهمة الدفاع عن الوطن في وجه جيش غازٍ وطامع استيطاني، بينما اتخذت السلطة السياسية قرار سحب الجيش اللبناني من الخطوط الأمامية. ولا بأس بتذكيره بعهده في خطاب القسم في 9 كانون الثاني 2025 بالعمل من أجل إعداد جيش “يمنع الاعتداءات “الإسرائيلية” على الأراضي اللبنانية، جيش لديه عقيدة قتالية دفاعية يحمي الشعب ويخوض الحروب وفقًا لأحكام الدستور”.
إن صمود بنت جبيل والخيام، برمزيتهما، أمام عتوّ الاحتلال يستدعي على الأقل بعض التقدير من قبل رئيس الجمهورية الذي كان قائد الجيش ويدرك مغزى هذا الصمود. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل غياب الدولة عن التحرك الفاعل ناجم عن انتظار أو عن توقعات بانتهاء الحرب إلى قراءة الفاتحة على روح المقاومة، بما أنها “مغامرة” وانتهت؟
لم يتطرق الرئيس عون إلى مضمون بيان “وقف الأعمال العدائية” الذي نشرته الخارجية الأميركية، وهل للبنان دور فعلي في المشاركة بصياغته، أم أنه تلقّاه جاهزًا وعرف به من وسائل الإعلام، كما حصل مع جمهور “إسرائيلي” عرف بوقف الأعمال الحربية من وسائل الإعلام وليس من حكومته. ويكتسي هذا الموضوع أهمية بالنظر إلى أن البيان الأميركي صيغ بروح “إسرائيلية” وعبّر عن مطالب “إسرائيل”، ولم يُعِرْ للبنان أهمية كبرى في همومه ومطالبه. ولعل من أهم البنود التي تجعل لبنان في المقعد الخلفي من الاهتمام الأميركي الإشارة إلى “احتفاظ “إسرائيل” بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس”، بينما لم يُشر إلى حق مماثل للبنان، خلافًا لنص قرار وقف النار في تشرين الثاني 2024 الذي أشار إلى هذه النقطة.
لم يوضح الرئيس عون أيضًا موقفه من دعوة الولايات المتحدة، بعد لقاء السفيرين اللبناني والصهيوني في واشنطن، إلى “تجاوز” اتفاق وقف النار الذي تم التوصل إليه في 2024، والتوصل إلى “اتفاق سلام شامل“.
يقول الرئيس عون: “استعدنا قرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض ونقرّر عن أنفسنا ولم نعد ورقة في جيب أي كان”. تكرارًا، هل تملك السلطة اللبنانية قرارها فعلًا (مضمون بيان الخارجية الأميركية عن وقف الأعمال الحربية نموذجًا)؟ ولماذا تصرّ على إقصاء فريق وازن يقاوم الاحتلال وأطماعه و”تكفّره” وطنيًا من خلال إلصاق تهمة التبعية للخارج به؟ ولمصلحة من هذا الإقصاء، بينما يشكو هو من “اتهامات وإهانات وتجنٍ وأضاليل” وما إلى ذلك؟
يؤكد الرئيس عون أن “هذه المفاوضات ليست ضعفًا وليست تراجعًا وليست تنازلًا”. وإذا لم تكن كذلك، فلماذا يريد العدو أن تتم “تحت النار”؟ وماذا تمتلك السلطة اللبنانية حيال ذلك من رد على العدوان غير الدبلوماسية الهشّة والتباكي أمام حليف العدو؟ وألا يشكل المضي في التفاوض المباشر بعد نزع أوراق القوة الذاتية شكلًا من “الانتحار” التفاوضي؟
في الخلاصة أكد الرئيس عون في خطابه وجود رؤية أحادية للواقع الحالي، وأنه يفضل أن يطير بجناح واحد لأجل “خلاص البلد”، بينما يحتّم موقعه قيادة البلد إلى وفاق وطني واستراتيجية دفاعية موحدة لها الأولوية على أية حلول مفروضة من الخارج. كما يؤكد أداؤه على مرجعية الرئيس الأميركي ترامب لعهده، وهذا يختلف عن التأكيد المستمر على ضمير المتكلم “أنا” التي توحي بأنه من يقرر في كل مكان من الخطاب. وبدا أن ملامسة أوجاع الأهالي الذين طالهم العدوان “الإسرائيلي” جاءت في سياق تبرير التقارب مع العدو، أكثر من محاولة بلسمة هذه الجراح والوقوف على موقف هذا الجمهور المُضحّي.



