الانتخابات الفلسطينية.. معركة فتح على مركز صنع القرار وتحديات التماسك الداخلي

بقلم: د. هاني الروسان..
تتجاوز القراءة الرأسية للمشهد السياسي الفلسطيني الراهن حدود النظر إلى الاستحقاق الانتخابي القادم كاستحقاق دستوري أو مبادرة للإصلاح، لتكشف عن محاولة لإعادة رسم خريطة القوة داخل النظام السياسي. فالدفع الراهن نحو إجراء الانتخابات يأتي في سياق دولي وإقليمي تتصاعد فيه المطالب بإصلاح السلطة وتجديد مؤسساتها وإعادة بناء قدرتها على أداء وظائفها السياسية، بالتزامن مع ضغوط إسرائيلية مالية وميدانية وسياسية متصاعدة تستهدف بنيتها القائمة، دون أن يتحول الضغط الدولي والإقليمي المُطالِب بالإصلاح إلى ضغط موازٍ على إسرائيل لوقف ما يضعف السلطة ويقوض قدرتها على أداء وظائفها. ويزداد الأمر دلالة أن الخطاب الدولي يربط بصورة مباشرة بين إصلاح السلطة وإجراء الانتخابات، الأمر الذي يفتح التساؤل حول ما إذا كان المقصود تمكين السلطة القائمة وإصلاحها، أم استخدام الانتخابات لإعادة توزيع القوة داخل النظام السياسي وتحديد شكل القيادة التي ستدير المرحلة المقبلة.
وتتبدى أبعاد هذه المناورة في شبكة التحالفات المستجدة وخلفياتها العابرة للحدود؛ إذ إن صياغة ائتلاف انتخابي عريض يجمع حركة حماس والتيار الإصلاحي في حركة فتح بزعامة محمد دحلان، إلى جانب قوى أخرى كحركة الجهاد الإسلامي وألوية الناصر صلاح الدين وشخصيات مثل ناصر القدوة، لا تعبر عن تقارب أيديولوجي بقدر ما تعكس التقاءً سياسيًا حول إعادة توزيع القوة داخل النظام. وتكمُنُ خطورة هذه التركيبة في أنها لا تضيف منافسين جددًا إلى السباق الانتخابي فحسب، بل تجمع أطرافًا كان وجودها خلال السنوات الماضية خارج مركز صناعة القرار الرسمي الفلسطيني. فحماس تدخل هذه المرة من موقع مختلف عن انتخابات 2006، بعدما أصبحت لاعبًا في أية ترتيبات تخص غزة، بينما يحاول تيار دحلان استعادة موقعه في المعادلة السياسية من خارج الهيكل القيادي الحالي لفتح. وبذلك فإن التحالف، إذا اكتمل، لا يغير فقط خريطة المنافسة على المقاعد، وإنما يفتح احتمالًا لإعادة تركيب مركز صناعة القرار نفسه.
ويزداد هذا الاحتمال وضوحًا مع الانفتاح الأمريكي المستجد على حركة حماس. فاللقاء الذي جمع المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر بقيادة الحركة في القاهرة لم يكن اتصالًا عابرًا، بل جاء في سياق مفاوضات حول خارطة الطريق الأمريكية لغزة، بما يشمل ترتيبات نزع السلاح وانتقال إدارة القطاع إلى حكومة فلسطينية تكنوقراطية. وهذه النقطة بالذات تعيد تعريف موقع حماس في الحسابات الدولية؛ فالحركة التي كانت خارج أي تصور أمريكي رسمي للسلطة الفلسطينية أصبحت طرفًا تتفاوض معه واشنطن مباشرة حول مستقبل غزة وترتيبات الحكم فيها. ورغم أن ذلك لا يعني أن واشنطن قررت إدخال حماس إلى أروقة السلطة الفلسطينية بصيغتها الحالية، أو أن دحلان سيقبل بها حليفًا دائمًا، فإن مجرد انتقالها من سياسة الاستبعاد إلى التفاوض المباشر يكشف تغيرًا في تعريف الأطراف التي ينبغي أن تكون حاضرة في ترتيبات المرحلة المقبلة. وإذا التقى هذا التحول الأمريكي مع تحالف انتخابي فلسطيني يضم حماس وتيار دحلان وقوى أخرى، فإن الصلة بين إعادة ترتيب غزة وإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني تصبح أكثر وضوحًا، بما يفتح الباب أمام قراءة الانتخابات باعتبارها جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل مركز صناعة القرار الفلسطيني.
ومن هنا يمكن فهم الاستنفار الذي برز في صفوف قيادة حركة فتح، فبيان اللجنة المركزية الأخير للحركة لم يتعامل مع الانتخابات باعتبارها مجرد استحقاق ، وإنما وضع رفع الجاهزية التنظيمية واستنهاض الكوادر والفعاليات وحشد الطاقات في صلب الاستعداد للمرحلة المقبلة. وهذا التركيز يصبح أكثر دلالة إذا وضعناه أمام طبيعة التحالفات التي تتشكل خارج الهيكل القيادي الحالي؛ إذ يبدو أن فتح لا تستعد فقط لمنافسة انتخابية على المقاعد، وإنما لمعركة يمكن أن تحدد موقعها في رأس الهرم السياسي بعد الانتخابات.
وبذلك تصبح الانتخابات بالنسبة إلى مركز القرار القائم معركة لا على نتائجها الانتخابية فحسب، وإنما على ما سيتمخض عن هذه النتائج من إعادة تشكيل لموازين القوة داخل النظام السياسي وموقع القيادة الحالية فيه. فإذا حافظت فتح على موقعها القيادي، فقد تنتهي الانتخابات إلى تجديد شرعية الهيكل القائم، أما إذا أفرزت التحالفات الجديدة وزنًا سياسيًا مؤثرًا، فإن نتائجها ستعيد توزيع القوة داخل النظام السياسي وتفرض واقعًا جديدًا على مركز القرار. وعندها قد لا يقتصر التغيير على دخول قوى جديدة إلى المؤسسات، وإنما يمتد إلى إعادة تشكيل القيادة نفسها.
وهنا يفترق الإصلاح عن إعادة التشكيل؛ فالإصلاح يَطال أداء النظام ومؤسساته مع بقاء مراكز قوته الأساسية، بينما تعني إعادة التشكيل تغيير هذه المراكز نفسها. وما يجعل الاحتمال الثاني حاضرًا في الانتخابات المقبلة هو اجتماع التحالفات الجديدة مع التحول في التعامل الدولي مع حماس، والدفع الإقليمي والدولي نحو إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، في وقت تتعرض فيه السلطة لضغط إسرائيلي يضعف بنيتها القائمة.
وهذا كله يُلقي على عاتق حركة فتح، قبل الدخول في المعركة الانتخابية، أن تنظر إلى الداخل باعتباره مصدر قوتها الأول، وأن تبادر إلى صيانة وحدتها وتماسكها التنظيمي الداخلي لتقديم إطار قيادي موحد وقادر على بناء الثقة. فالمعركة التي تقترب ليست معركة على المقاعد وحدها، وإنما على ثقة الشارع بمن يستطيع إدارة النظام السياسي وحماية المشروع الوطني في مرحلة تتغير فيها موازين القوة من حوله. وإذا كانت التحالفات الجديدة تراهن على إعادة توزيع هذه الموازين من خارج الهيكل القيادي القائم، فإن قدرة فتح على خوض الاستحقاق لا تتوقف على الجاهزية الإجرائية وحدها، بل على تماسك بيتها الداخلي وقدرتها على جعل الشارع الفلسطيني شريكاً أصيلاً في رسم ملامح القيادة المقبلة.



