كيف تصبح كلمة (نعم) أسلوباً للحياة؟

لكل حركة في الحياة اتجاه، ولكل اتجاه أثر يتركه في الإنسان والمجتمع، ولذلك فإن طريقة تعامل الإنسان مع ما يحيط به تكشف الكثير عن شخصيته وعن رؤيته للحياة. فهناك إنسان ينظر إلى الفرص بعين مفتوحة، ويتعامل مع التغيير بوصفه مجالا للتطوير، ويبحث في الاختلاف عن مساحة للحوار والتعلم، وهناك إنسان آخر يضع أمام كل فكرة جديدة حاجزا من التحفظ والرفض، حتى تتحول مواقفه مع مرور الوقت إلى أسلوب ثابت في التعامل مع الحياة. ومن هنا يمكن النظر إلى كلمتين صغيرتين تترددان كثيرا في حياتنا اليومية، هما «نعم» و«لا»، بوصفهما أكثر من مجرد أداتين لغويتين، لأنهما في كثير من الأحيان تعكسان طريقة كاملة في التفكير والتعامل مع الآخرين.
فـ «نعم» التي نقصدها هنا ليست موافقة عمياء على كل ما يقال، كما أن «لا» ليست موقفا سلبيا في كل الأحوال، فقد تكون كلمة الرفض في بعض المواقف ضرورة أخلاقية لحماية الإنسان من الخطأ أو الظلم أو الاستغلال. القضية تتعلق بالمعنى الذي تقف خلفه الكلمة، فإذا كانت «نعم» تعني الاستعداد للتعاون والتعلم والتجربة والمشاركة، فإنها تصبح قوة تدفع الحياة إلى الأمام، وإذا تحولت «لا» إلى رد فعل دائم أمام كل جديد، فإنها تتحول إلى حاجز يفصل الإنسان عن فرص التطور. ولذلك فإن المشكلة ليست في الكلمة نفسها، وإنما في العقل الذي يستخدمها وفي الظروف التي تتحكم في استخدامها.
في الحياة الاجتماعية تظهر قيمة «نعم» بصورة واضحة عندما يتعامل الإنسان مع الآخرين، فالإنسان المتفاعل لا يعيش داخل حدود تجربته الخاصة، وإنما يفتح لنفسه مجالا للاستماع إلى الأفكار المختلفة، ويتقبل الحوار، ويعيد النظر في بعض قناعاته عندما يجد ما يستحق المراجعة. وهذا النوع من المرونة يمنحه قدرة أكبر على بناء العلاقات والعمل الجماعي وحل المشكلات، لأن المجتمعات لا تتحرك بإرادة فرد واحد، وإنما تحتاج إلى مجموعة من العقول التي تعرف كيف تتعاون وتختلف وتبحث عن نقطة مشتركة يمكن أن يبدأ منها العمل.
ومن هنا تصبح «نعم» قيمة اجتماعية قبل أن تكون كلمة عابرة، لأنها تعبر عن الاستعداد للمشاركة في الحياة. فالذي يقول نعم لفكرة مفيدة قد يفتح بابا لمشروع جديد، والذي يقول نعم للتعاون قد يختصر على الآخرين كثيرا من الجهد، والذي يقول نعم للتعلم قد يكتشف قدرة كانت غائبة عنه، والذي يقول نعم للحوار قد يجد في رأي مختلف ما يساعده على تطوير رؤيته. وحين تنتشر هذه الروح بين أفراد المجتمع تتشكل بيئة أكثر استعدادا للعمل والإبداع، لأن الناس يشعرون بأن أفكارهم تجد من يسمعها ويتفاعل معها.
وفي المقابل قد تتحول «لا» إلى عادة ذهنية تجعل صاحبها يرى العقبات قبل الفرص، والمخاطر قبل الإمكانيات، والأخطاء قبل النتائج. هذا النمط من التفكير يمكن أن يظهر في الأسرة والمؤسسة والجامعة ومكان العمل، حين تصبح كل محاولة للتغيير موضع اعتراض مسبق، وكل فكرة جديدة بحاجة إلى معركة طويلة حتى تحصل على فرصة التجربة.
ومع تكرار هذا السلوك يتعلم الآخرون الصمت، ويتراجع أصحاب الأفكار عن المبادرة، وتصبح المحافظة على الوضع القائم أسهل من محاولة تطويره، حتى لو كان هذا الوضع بحاجة إلى إصلاح واضح. وهنا تظهر خطورة الشخصية التي تعتاد الرفض، لأنها قد لا تشعر أنها تعرقل الآخرين، فقد ترى نفسها حريصة على النظام أو متمسكة بالمبادئ أو محافظة على التجربة السابقة، بينما تكشف النتائج أحيانا أن المبالغة في الحذر تؤدي إلى تجميد الطاقات وتعطيل المبادرات.
فكل مجتمع يحتاج إلى النقد، وكل مؤسسة تحتاج إلى من يشير إلى الأخطاء، وكل فكرة تحتاج إلى من يختبر صلاحيتها، غير أن النقد الذي لا يقود إلى تحسين يتحول مع الوقت إلى تعطيل، والرفض الذي لا يفتح طريقا لبديل أفضل يبقى أسيرا للموقف ذاته.
ولهذا فإن الإنسان الإيجابي لا يعني الإنسان الذي يوافق الجميع في كل شيء، وإنما الإنسان الذي يمتلك القدرة على التعامل مع الاختلاف بعقل مفتوح. فهو يستطيع أن يقول «لا» عندما تتطلب القيم موقفا واضحا، ويستطيع في الوقت نفسه أن يقول «نعم» عندما يجد فكرة تستحق التجربة، وهذه القدرة على التمييز هي التي تجعل الشخصية أكثر نضجا. فالقوة ليست في كثرة الموافقة ولا في كثرة الرفض، وإنما في معرفة متى تكون الموافقة مفيدة، ومتى يكون الرفض ضروريا، وكيف يمكن تحويل كل موقف إلى خطوة تخدم الإنسان والمجتمع.
وقد يبدو هذا الأمر بسيطا في الحياة اليومية، لكنه يمتد إلى قضايا أكبر تتعلق بطريقة بناء المجتمعات. فالمجتمع الذي يمنح أبناءه فرصة السؤال والتجربة والمبادرة ينتج أفرادا أكثر قدرة على تحمل المسؤولية، بينما المجتمع الذي يعاقب كل محاولة مختلفة ويعتبر كل فكرة جديدة تهديدا للنظام القائم يدفع أفراده تدريجيا إلى البحث عن السلامة في الصمت.
وعندما يصبح الصمت أكثر أمانا من التفكير، تتراجع روح الابتكار حتى لو امتلك المجتمع موارد كبيرة وإمكانيات بشرية واسعة. وتحتاج المؤسسات التعليمية إلى هذه الروح بصورة خاصة، لأن المدرسة والجامعة لا تصنعان المعرفة فقط، وإنما تصنعان علاقة الإنسان بالمعرفة.
والطالب الذي يتعلم أن يسأل ويجرب ويناقش ويخطئ ثم يصحح خطأه سيكون أكثر قدرة على مواجهة الحياة من طالب يحفظ الإجابات المطلوبة منه ثم يتوقف عند حدودها. ولذلك فإن «نعم» في التعليم يمكن أن تعني فتح المجال أمام السؤال، وتشجيع البحث، ومنح الطالب فرصة المبادرة، والاستماع إلى الأفكار المختلفة، وربط المعرفة بالحياة الواقعية.
كما أن بيئة العمل تحتاج إلى هذه الثقافة، فالمؤسسة التي لا تسمح إلا بالأفكار المألوفة تجد نفسها مع مرور الوقت عاجزة عن مواكبة المنافسة، بينما المؤسسة التي تستمع إلى موظفيها وتشجع المقترحات وتسمح بتجربة الحلول الجديدة تستطيع أن تتطور بصورة أسرع. وهنا لا تعني «نعم» فتح الباب أمام الفوضى، وإنما تعني وجود مساحة محسوبة للتجريب، مع وجود معايير واضحة لتقييم النتائج وتحمل المسؤولية عنها.
وفي العلاقات الإنسانية أيضا، قد تكون «نعم» شكلا من أشكال التعاطف. فالإنسان الذي يستمع إلى صديقه ويمنحه فرصة للتعبير، والذي يتعاون مع زميله، والذي يمد يده لمن يحتاج إلى المساعدة، يمارس نوعا من الإيجابية التي تتجاوز الكلام إلى السلوك. ولهذا فإن الشخصية الإيجابية لا تحتاج إلى الإعلان عن إيجابيتها، لأن الآخرين يكتشفونها من طريقة حضورها في المواقف اليومية، ومن قدرتها على تحويل العلاقة مع الناس إلى مساحة للتعاون والتفاهم.



