اراء

كرة القدم لا تنتظر الخائفين

زكي الطائي..

عالم كرة القدم لا يتقنه جيدًا إلا من عشقها وتعمّق في تفاصيلها، فهي ليست مجرد معلومات تُقرأ وتُحفظ ثم تُردد في كل مناسبة، وإنما فكرة تتطور باستمرار وتتغير مع الزمن والظرف، وتحتاج إلى عقل قادر على فهمها وتطويرها باستمرار.

لست خبيرًا كرويًا، لكنني أؤمن بأن كرة القدم في جوهرها تقوم على ثلاثة أشياء: مدرب ذكي، ولاعب موهوب، وفكرة تُطبَّق باختيار صحيح للأدوات.

وقد نجح كثيرون في صناعة كرة القدم واكتشاف نجومها، رغم أنهم لم يكونوا لاعبين بالأساس، فمن جاء بذلك الطفل البائس دييغو مارادونا إلى الملاعب واكتشف موهبته، كان عاشقًا لكرة القدم قبل أن يكون صاحب منصب أو اسم كبير، وكذلك الحال مع ليونيل ميسي وغيره من نجوم الكرة المستديرة. ولعل آخر الأمثلة المضيئة هو الإسباني لامين يامال، الذي وجد من آمن بموهبته ومنحه الفرصة في الوقت المناسب.

كرة القدم لا تؤمن بالخوف والتردد، وهذه الصفة، للأسف، رافقت كثيرًا من المدربين، فأبقتهم في المكان نفسه. لم يكونوا كشافين للمواهب، بل مجرد مدربين يحفظون بعض المعلومات والتكتيكات ويرددونها في كل مكان.

وشخصيًا، أرى أن المدرب الحقيقي ليس من يحقق النتائج فقط، وإنما من يصنع لاعبًا يستطيع أن يفتخر به بعد سنوات ويقول: “أنا من اكتشفته، ومنحته الفرصة، ومهدت له الطريق ليصبح نجمًا لامعًا”. وهنا تكمن مشكلتنا الحقيقية في كرة القدم العراقية، فمازال أغلب مدربينا يتردّدون في زج اللاعبين الشباب مع المنتخبات بحجة أنهم لا يمتلكون الخبرة، وكأن الخبرة تُمنح للاعب وهو جالس على مقاعد البدلاء.

وباسم الخبرة، بقيت أسماء كبيرة في المنتخب الوطني، رغم أن حضورها لم يعد يقدم الإضافة المطلوبة، في الوقت الذي ينتظر فيه لاعبون شباب فرصة واحدة لإثبات أنفسهم.

وأكاد أجزم أن لامين يامال لو كان عراقيًا، لوجد من يقول إن الوقت مازال مبكرًا عليه، وإنه يحتاج إلى الخبرة، وربما كان عليه أن ينتظر حتى يبلغ سنًا متقدمة قبل أن يحصل على فرصته.

وهنا أتوقف عند حالة اللاعب حيدر عبد الكريم، الذي لفت الأنظار بمهارته وأدائه حتى أبهر مدرب نادي النصر السعودي. وهنا يحق لنا أن نسأل: أين كانت أعين مدربينا عنه؟ ولماذا لم يحظَ بالاهتمام الذي يستحقه، وهو يمتلك موهبة يمكن أن تفتح له أبواب العالمية؟ والسؤال الأهم: لماذا لم يخطر على بال أحد أن يكون هذا اللاعب ضمن حسابات المنتخب الوطني، وأن يحصل على فرصة حقيقية في كأس العالم؟ حيدر عبد الكريم ليس مجرد لاعب شاب يمكن أن نختلف حول مستواه، وإنما هو ثروة كروية محتملة، والثروات لا تُهمل حتى نتذكرها بعد فوات الأوان.

ما دمنا نعمل بعقلية إبعاد الشباب بحجة نقص الخبرة، فلن نستطيع مواكبة التطور الذي تشهده المنتخبات من حولنا. كرة القدم الحديثة لا تنتظر الأسماء، ولا تمنح الفرص لمن يملك تأريخًا فقط، وإنما تكافئ من يملك القدرة والرغبة والموهبة.

نحن بحاجة إلى شجاعة فنية حقيقية، شجاعة تقول، إن اللاعب الذي لم يعد قادرًا على تقديم الإضافة يجب أن يفسح المجال لغيره، وإن بعض الأسماء التي لم تستطع أن تقدم شيئًا ملموسًا للمنتخب الوطني يجب أن تنتهي مرحلتها بلا خجل ولا وجل.

أعطوا الشباب فرصتهم، لا لأنهم شباب فقط، وإنما لأن بينهم من يمكن أن يكون نجم المستقبل.

فكرة جيدة، واختيار صحيح، ومدرب يمتلك الشجاعة، قد تصنع لنا لاعبين شبابًا يغيرون شكل كرة القدم العراقية لسنوات.

كرة القدم لا تنتظر الخائفين.. ومن لا يجرؤ على صناعة نجومه اليوم، سيبحث عنهم غدًا في ملاعب الآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى