من ترامب إلى لبنان.. الوهم جزء من صناعة القرار

بقلم: بثينة عليق..
لا شكّ أنّ الانفصال عن الحقيقة في صنع القرار السياسي قضية حظيت بمساحة وازنة من الاهتمام لدى المفكّرين السياسيين.
ما نتحدّث عنه هنا يتخطّى، وإن كان يلتقي جزئياً مع، ما أثاره إدوارد سعيد في كتابه “تغطية الإسلام”، عندما انتقد دور الإعلام وبعض الخبراء في تشكيل صور نمطية عن الإسلام والمسلمين، مبيّناً أنّ طريقة اختيار الأحداث وتأطيرها يمكن أن تؤثّر بصورة عميقة في كيفية فهم الجمهور للواقع السياسي.
كما يلتقي هذا الأمر، جزئياً، مع مفهوم “ما بعد الحقيقة” الذي أصبح شائعاً لوصف نمط من السياسة تصبح فيه الوقائع أقلّ أهمية من الانطباع الذي يدفع إليه الخطاب السياسي الذي يتنافى مع الحقيقة الواقعية.
لكن ما نتحدّث عنه هنا يبدو أقرب إلى ما أثارته حنا آرندت في مقاله الشهير “السياسة والكذب”، وتحذيرها من أنّ السياسة، وتحديداً المسؤولين الموجودين في مواقع القرار، تستطيع أن تمزّق “نسيج الوقائع” بحيث يصبح المجال العامّ عالماً يمكن فيه استبدال الوقائع بسردية سياسية.
ومن غير المعلوم ما إذا كانت آرندت وسعيد وغيرهما من المفكّرين قد توقّعوا أن تصل الأمور، على مستوى الممارسة السياسية، إلى ما نحن عليه اليوم، حيث ذهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعيداً في هذا الاتجاه، من خلال أدائه السياسي، والقرارات التي يتخذها، والتصريحات التي يطلقها، والتي تترك، بطبيعة الحال، تأثيراً واسعاً في العالم، بحكم صدورها عن رئيس الدولة الأقوى في العالم.
ولم يعد هذا الأسلوب في التعاطي السياسي محصوراً بترامب وحده، بل كسب مريدين ومقلّدين كثراً في العالم، ممن باتوا يُسمّون، على نحو عام، “الترامبيين”. ولم يقتصر التأثّر بترامب والتماهي معه على تبنّي الأفكار اليمينية المتطرّفة أو العنصرية، وإنما امتدّ أيضاً إلى التماهي مع أسلوب الأداء السياسي نفسه، وطريقة إدارة الخطاب، والتعامل مع الوقائع، وصناعة الروايات السياسية.
وقد تحوّل هذا الأداء، مع ترامب، إلى عملية مركّبة تتداخل فيها عناصر عديدة، لعلّ أبرزها المبالغة في تقدير القدرة على التأثير في الأحداث، والكذب المتعمّد، ورفض التسليم بالوقائع، واعتماد منطق ما بعد الحقيقة.
ويترافق هذا الأداء مع وجود جهاز سياسي وإعلامي متكامل يعمل على إنتاج تصوّرات مناقضة للوقائع، وإعادة صياغتها وتغذيتها باستمرار، فضلاً عن تكرار الروايات والأفكار التي يُراد ترسيخها في ذهن الرأي العامّ.
ويبدو سجل ترامب مليئاً بالأمثلة المنسجمة مع هذه الخلطة، بما يجعل تجربته السياسية حالة تستحقّ التوقّف عندها.
يصرّ ترامب على أنه فاز في الانتخابات الرئاسية عام 2020. لم يتوقّف الرجل عن الترويج لفكرة أنّ الانتخابات “سُرقت”، رغم عدم تقديم أدلة تثبت وجود تزوير واسع النطاق يمكن أن يكون قد غيّر نتيجة الانتخابات. بل إنّ وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية وصفت انتخابات 2020 بأنها من “الأكثر أمناً في التاريخ الأميركي”.
ومع ذلك، عاد ترامب في تموز 2026 إلى التشكيك في نزاهة الانتخابات، من دون تقديم أدلة تثبت وقوع تزوير واسع النطاق.
ويصرّ ترامب كذلك على أنّ الوضع الاقتصادي جيد، وتحدّث مؤخّراً عن معدّل تضخّم لا يتجاوز 2 في المئة، وعن انخفاض أسعار البقالة، في حين كانت بيانات مؤشّر أسعار المستهلك تشير إلى معدّل تضخّم أعلى من ذلك.
أما قصة الانتصار على إيران، وفتح مضيق هرمز، والقضاء على النظام الإيراني، فهي قصة لا نزال نعيش فصولها.
منذ الأيام الأولى للحرب على إيران، تبنّى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطاباً شديد الحسم في وصف نتائج العمليات العسكرية. ولم يكتفِ بالحديث عن إضعاف القدرات الإيرانية، بل انتقل سريعاً إلى إعلان الهزيمة العسكرية الكاملة لإيران، ثمّ إلى تقديم الحرب بوصفها انتصاراً أميركياً حاسماً.
ففي الأسابيع الأولى، أعلن ترامب أنّ إيران “هُزمت تماماً”، وقال: “لقد دمّرنا بالفعل 100 في المئة من القدرة العسكرية الإيرانية”، كما وصف إيران بأنها هُزمت ودُمّرت “عسكرياً واقتصادياً وبكلّ طريقة أخرى”. وقال أيضاً إنّ الولايات المتحدة “هزمت إيران بشكل أساسي”، وإنّ الجيش الإيراني “أُبيد حرفيّاً”.
ولم يتوقّف الأمر عند التقييم العسكري؛ فقد قال ترامب إنه فاز بالحرب بالفعل، وإنّ تغيير النظام قد تحقّق. ومع نهاية الشهر الأول، أكّد أنّ الجيش الأميركي يحقّق “انتصارات سريعة وحاسمة وكاسحة في ميدان المعركة”، مشدّداً على أنّ الولايات المتحدة تقترب من تحقيق جميع أهدافها العسكرية.
وقد أثارت هذه التصريحات اهتماماً واسعاً في الصحافة الأميركية، وتعرّضت للنقد والتفنيد. حاول الإعلام الاميركي التمييز بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية، وبين إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية وبين القدرة على تحويل هذه الأضرار إلى نتائج سياسية واستراتيجية دائمة.
وتحدّثت تحليلات أميركية عن المفارقة التي تفصل بين “النجاح التكتيكي” و”الانتصار الاستراتيجي”. اعتبر المحللون السياسيون أنّ إلحاق أضرار عسكرية جسيمة بإيران لا يعني تحقيق الأهداف السياسية التي بدأت الحرب من أجلها.
وانتقدوا إصرار ترامب على تحقيق استسلام إيراني كامل، بما يجعل تعريف “النصر” نفسه موضوعاً للصراع السياسي والإعلامي داخل الولايات المتحدة.
وأشاروا إلى المفارقة المتمثّلة بإعلان ترامب الفوز بالحرب برغم استمرار العمليات الإيرانية، وإقفال مضيق هرمز، والمفاوضات غير المكتملة ما يجعل إعلان “النصر النهائي” أكثر تعقيداً مما يوحي به الخطاب السياسي.
ويبدو أنّ ترامب مستمر في المسلسل نفسه، وإن لم يكن بالزخم ذاته، مع الإصرار على تقديم النتائج وفق الرواية التي يريدها، حتى عندما تكون الوقائع أكثر تعقيداً. والأسوأ أنّ هذه التجربة، بدل أن تدفع زعماء العالم والمسؤولين إلى مراجعة هذا الأسلوب واستخلاص العبر من أخطائه، يبدو أنها تدفع بعضهم إلى التماهي معه وتقليده.
ويبدو أنّ لبنان له حصته في هذا المجال.
ففي إطلالة على تصريحات رئيس الجمهورية جوزاف عون، يمكن ملاحظة حضور طيف من هذا الأسلوب الترامبي، وإن اختلفت الظروف والسياقات.
يصرّ عون على أنّ “حجم الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان انحسر منذ توقيع اتفاق الإطار”، وهو ما يناقض، الوقائع التي تتحدّث عن استمرار التفجير والتدمير والاعتداءات، وعن تصاعد الابادة العمرانية والبيئية في الجنوب اللبناني.
وقبل ذلك، نقل عدد ممن التقوه أنّ إصراره على زيارة واشنطن ولقاء الرئيس الأميركي كان ينطلق من قناعة بأنه قادر على إقناع ترامب بوجهة نظره. وهذا يعكس قدراً من المبالغة في تقدير القدرة على التأثير في القرار الأميركي. وقد حضرت المبالغة نفسها في طريقة التعاطي مع الزيارة وتوصيفها باعتبارها إنجازاً كبيراً قادراً على تغيير الوقائع.
في المقابل، فإنّ المعطيات والتطوّرات التي رافقت الزيارة تظهر تشدّداً أميركياً في دعم “إسرائيل” على حساب لبنان ومصالحه.
ولا يبدو أنّ مسلسل الانفصال عن الواقع توقّف عند هذا الحد. إذ يبدو أنّ المحيطين بالرئيس أقنعوه بأنّ لبنان يستطيع الذهاب إلى خيار المفاوضات المباشرة مع العدو من دون حدّ أدنى من التوافق الداخلي، وأنّ الخروج من الأزمة العميقة التي يعيشها لبنان ممكن من دون حوار وطني، أو أنّ المصلحة اللبنانية تقتضي تسليم الأميركيين 99 في المئة، بل 100 في المئة، من الأوراق، والتخلّي عن أصدقاء لبنان، وفي مقدّمهم الفرنسيون، وإحداث قطيعة غير مفهومة مع دول مؤثّرة مثل إيران.
ويذهب هؤلاء أيضاً إلى الترويج لمقولة ارتفاع شعبية الرئيس عون لدى اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة، ويُطرح أحياناً كلام عن أرقام تبدو شديدة البعد عن الوقائع السياسية والاجتماعية على الأرض في محاولة واضحة لصناعة “واقع بديل لصانع القرار”.
وعند هذه النقطة، يصبح الانفصال عن الحقيقة خطراً مباشراً على المصلحة الوطنية، التي لا يمكن أن تتحقّق من خلال آلية لصنع القرار تقوم على الوهم، لأنّ الوهم يساهم بتدمير “نسيج الوقائع” الذي تحدّثت عنه حنا آرندت، والذي يشكّل الأرضية المشتركة من الحقائق التي تحتاج إليها الدول والمجتمعات لبناء حياة سياسية سليمة، تتيح لها تحديد المخاطر، وحماية المصالح، وصون الأوطان والشعوب.



