اراء

خطاب نتنياهو.. انهيار شخصي أم تدنٍ في منظومة القيم لدى دولته؟

بقلم: أ.د. أحمد القطامين..

كان خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 أيلول الحالي، أشبه بمحاولة إخضاع الحقيقة للخطاب السياسي. ففي دقائق قليلة، قدّم احتمال امتلاك إيران سلاحاً نووياً بوصفه خطراً محققاً، وصوّر ضرب المنشآت النووية الإيرانية وكأنها عملية أنقذت العالم من موت مؤكد، ونفى عملياً وجود كارثة إنسانية في غزة، ووصف اتهامات الإبادة الجماعية بأنها كذبة القرن، وقلّل من عنف المستوطنين في الضفة الغربية. المشكلة أن هذه الرواية لا تقف دائماً على أرض صلبة من الأدلة، بل تقوم في أجزاء منها على تحويل الاحتمال إلى يقين، والانتقاء من الوقائع، وتقديم الرواية السياسية باعتبارها الحقيقة الوحيدة.

لقد تحدّث نتنياهو من منبر الأمم المتحدة كما لو أنه يقف أمام محكمة لا تملك حق مساءلته، لا أمام منظمة دولية يفترض أن وظيفتها مساءلة الدول عن أفعالها. بدأ بالقول إن إسرائيل منعت إيران من تطوير قنبلة نووية، وإن عدم قيامها بذلك كان سيعني موت الجميع، لكن الفرق هائل بين القول، إن البرنامج النووي الإيراني كان مصدر خطر حقيقياً على إسرائيل، وبين الجزم بأن إيران كانت على وشك امتلاك قنبلة واستخدامها ضد إسرائيل، هذا الفرق هو تحديداً ما حاول نتنياهو دفنه تحت نبرة الكذب.

فهو لا يقدم للعالم دليلاً جديداً على أن قراراً إيرانياً باستخدام سلاح نووي كان وشيكاً؛ بل يقدم النتيجة أولاً، ثم يبني حولها رواية تبرر الحرب.

ثم ينتقل إلى غزة، حيث تصبح المفارقة أكثر فجاجة، نتنياهو لا يكتفي برفض اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وإنما يقلب الصورة بالكامل: إسرائيل، في روايته، هي التي تمنع الإبادة، ومن يتهمها بذلك هو صاحب كذبة القرن، لكن القضية أمام محكمة العدل الدولية ليست حكماً صدر لمصلحة نتنياهو كي يعلن إغلاقها من على منصة الأمم المتحدة؛ إنها قضية قانونية مازالت منظورة والعالم مقتنع أصلا بحدوث الإبادة الجماعية.

والأدهى أن نتنياهو حاول استخدام المساعدات الإنسانية كسلاح دعائي لنفي المعاناة في غزة. فوجود الغذاء والدواء واللقاحات لا يعني أن السكان حصلوا عليها بالكميات الكافية، ولا يمحو آثار الحرب والدمار والنزوح. منظمة هيومن رايتس ووتش وصفت في وقت سابق من العام البنية الإنسانية في غزة بأنها مازالت في وضع بالغ الخطورة، بينما واصلت الأمم المتحدة توثيق الاحتياجات الإنسانية الواسعة.

المشكلة إذن ليست أن نتنياهو يكذب في بعض الأرقام فحسب، المشكلة أنه يمارس محاولة إعادة تعريف الواقع: حين يكون الاحتمال النووي الإيراني مبرراً لحرب، يصبح يقيناً، وحين تكون بعض المساعدات الإنسانية موجودة، تصبح غزة بلا كارثة. وحين تكون هناك إبادة جماعية في قضية أمام محكمة دولية، تصبح القضية كذبة، وحين يتكرر عنف المستوطنين، يصبح مجرد حفنة مشاغبين.

وفي النهاية، لقد كان خطاب نتنياهو مثالاً صارخاً على مأزق السياسة الإسرائيلية الحالية، فكلما اتسعت الفجوة بين السردية الاسرائيلية والواقع، ارتفع مستوى الانهيار الأخلاقي للدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى