اراء

كشكول الجغرافيا السياسية العربية.. محور الممانعة كهدف

بقلم: د. ادريس هاني..

ما هو يا ترى الشيء الذي بقي على حاله في متاهتنا العربية؟ فلقد انهارت معظم الملكات وتحطمت سائر المكتسبات، فانهيار الذائقة العربية هو المسؤول عن غياب التمييز بين الجاذب والمنفر فيما هو ظاهر من قضايانا، وانقلاب القيم هو المسؤول عن تحول الدجل إلى خصوصية ووجهة نظر، كما أن التباس المفاهيم هو المسؤول عن خلط الأوراق.

في بيئة حمقاء كهذه، أصبح من المتعذر مواجهة ذات مهزومة بحقيقتها، فثمة مفهمة مخرومة معدة سلفا للتشويش على النقد الجذري للتفاهة، سيشغلونك بأحكام قيمة عبثية: إنها نظرة تشاؤمية، إنها نظرية المؤامرة وهلم جرا.

سياقنا العربي مليء بملهيات مجانية، فبقدر ما يتوغل الاحتلال فينا، نفتح ملهيات لمحاكمات ممسرحة. ومن كان في ذمتهم مقاتل الشعوب، يرتدون اليوم بدلة القضاء. وقد غدت العدالة في مزرعة الفوضى كمومس عمياء؛ من يا ترى سيحاكم الإرهاب على مقاتله وخيانته؟ افعلوا ما شئتم في كنف الاحتلال وحماية الإمبريالية وصخب العبيد.

لا شيء هنا غير محسوب بدقة، فلكل دوره في توقيت محدد. يتمدد الاحتلال، وجرائم الحرب متواصلة، فعن أية عدالة يتحدث مستعربة الإيغور و”المانكان” الظلامي؟.

لقد غرق الإعلام التبعي العربي الحقود في توصيف محور الممانعة بأبشع ما جادت به حماقة التعبير، وفي المقابل أطلقوا العنان لتصويب محور التبعية. وقد أورثوا هذا العلف المسموم لأجيال لم تعش اللحظات الأولى لانطلاق سلوقية التضليل. وبدل أن يتعلموا أن يسموا الأشياء بأسمائها، فضلوا التشنيع، وهو حيلة العاجز عن مواجهة حقائق التأريخ.

أي تفاهة تلك، حين تتحدث الرجعية لغة الديمقراطية كلما تعلق الأمر بذلك المحور، كما لو أن الكائن في مرابض الرجعية هو كائن محظوظ بامتلاك كامل حقوقه المدنية. إنها أسوأ وضعية تدعو للشفقة حين تعطي الدكتاتورية درساً في التحرر، وحين تعطي الظلامية درساً في التنوير، وأن يعطي التخلف درساً في التقدم؟ إنها جغرافيا سياسية مسيخة.

ولعل جزءً مهماً من أسباب الصفعة التأريخية لمن أدمنوا العلف المسموم، راجع إلى هذه الوضعية من التفاهة، الإصرار على التغلب بالتشنيع لا بالإنجاز. فالتأريخ، وللمرة الألف نذكر، لا يسلك على وفق رغباتنا. أيها المهزومون ادخلوا مساكنكم واغلقوا “أبوازكم”، فلقد أصبحتم في التأريخ كأفراس النهر.

لقد حيرني عقل التفاهة العربية، عقل الهزيمة العربية، عقل الحقد العربي، لأنهم أبوا حتى أن يكونوا عرباً على مقتضى المروءة العربية، فلو أننا حاكمناهم بالعروبة الحقة، فسيعطوننا أسوأ مثال عن أوباش البيداء العربية. اليوم الصراع الحقيقي هو حول الهوية الحقيقية للعرب، لمروءتهم ونخوتهم التي داس عليها عبيدهم، فكونوا على الأقل أحراراً إن كنتم عرباً كما تزعمون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى