اراء

“البحار الأربعة” وأحدث خطط التحايل على انتصارات إيران والمقاومة

بقلم: ايهاب شوقي..

مع بروز مشروعات من نوعية البحار الأربعة للتحايل على سيطرة إيران المحكمة على مضيق هرمز، تبرز حقيقة مهمة، وهي أن العامل الاقتصادي يظل هو عصب الصراعات الدولية، وتظل المطامع الاستعمارية هي كلمة السر وراء كل عدوان على الشعوب لنهبها، مهما حملت الرايات المرفوعة للحروب من عناوين وشعارات براقة لا تعدو عن كونها غطاءً للهيمنة والاستعمار.

والراصد للحروب الكبرى الحديثة يلمح في عوامل اندلاعها عاملًا مشتركًا، هو إما ممر ملاحي دولي مثل قناة السويس، أو خطوط للطاقة، أو منع لتصدير النفط، مثل الحرب العالمية الثانية وحرب السويس وحرب الخليج وحروب أرمينيا وأذربيجان، وغيرها من الحروب التي تندلع حول مشروع الحزام والطريق الصيني، ومؤخرًا حرب روسيا وأوكرانيا والعدوان على اليمن وإيران والذي اتخذ مضيق هرمز عنوانًا متقدمًا ورئيسًا له.

وفي خلال ندوة الطاقة التي نظّمها المجلس الأطلسي في واشنطن؛ تم طرح خطة جيواقتصادية عدائية ضدّ المصالح الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد شرحها بوضوح توم برّاك، الممثل الخاص للولايات المتحدة لشؤون سوريا والعراق، وتمثلت في الدعوة إلى إنشاء شبكة من أربعة ممرات عبور بين الخليج وبحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، مع اعتبار سوريا مركزًا للطاقة.

واللافت أن سوريا كررت ذات الحديث الأمريكي باعتباره مشروعًا وطنيًا، حيث أعرب وزير النقل السوري عن رغبة بلاده في تطوير شبكة طرق بحرية تربط الموانئ السورية بدول الخليج، وتكون بديلًا عن مضيق هرمز.

وأفادت وسائل الإعلام بأن إدارة الكمارك السورية عقدت اجتماعًا مع مسؤولين إماراتيين، ناقشوا خلاله تطوير الموانئ السورية، والمعابر الحدودية، والمناطق الاقتصادية الحرة، وبأن هناك اتفاقًا بين سوريا وتركيا والأردن تم في نيسان الماضي على تطوير ممر نقل يربط الشمال بالجنوب، مع إمكانية ربطه بشبكة السكك الحديدية السعودية، وهو ما قد يخلق منظومة لوجستية متكاملة تربط الخليج بالبحر المتوسط.

كما عززت الإمارات حضورها في سوريا، حيث بدأت شركة “دي بي وورلد”، ومقرها دبي، عملياتها في ميناء طرطوس السوري، في إطار مشروع يتضمن تحديث البنية التحتية للميناء باستثمارات تصل إلى 800 مليون دولار، ما يعد خطوة استراتيجية لتعزيز دور سوريا كمركز لوجستي إقليمي.

من البحار الثلاثة إلى البحار الأربعة

تعد خطة البحار الأربعة نسخة محدثة وموسعة من “مبادرة البحار الثلاثة” التي اقترحها دونالد ترامب في قمة مجموعة العشرين عام 2017، بهدف توحيد 12 دولة أوروبية على طول بحار البلطيق والأدرياتيكي والأسود، لإخراج أوروبا من دائرة النفوذ الروسي في مجال الطاقة.

ويتمثل التغيير الرئيس في النسخة الجديدة في إضافة بحرين، هما الخليج وبحر قزوين، إلى معادلة البحر المتوسط والبحر الأسود، وتحويل مركز الثقل من أوروبا الشرقية، وتحديدًا بولندا إلى سوريا.

أهداف مباشرة للخطة:

من الأهداف المباشرة، بل والمعلنة للخطة يمكن رصد ما يأتي:

1 إنشاء ممر بديل لنفط الخليج، وانتزاع الصبغة الاستراتيجية لورقة مضيق هرمز وباب المندب، وتحويل السيطرة عليهما إلى مكسب تكتيكي ضيق.

2 تحقق الخطة جانبًا كبيرًا من أهداف مبادرة البحار الثلاثة بخصوص احتواء النفوذ الروسي والصيني، بتقليل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي وتوفير طرق ومسالك جديدة بعيدًا عن الاستثمارات الصينية.

3 محاولة الابتعاد بالمصالح الأمريكية عن مرمى محور المقاومة ونفوذه، باعتماد نقاط رئيسة في الأردن وتركيا وسوريا.

أهداف خفية:

ومن الأهداف غير المباشرة والخفية، يمكن رصد ما يلي:

أولًا: محاولة انتزاع العراق من محور المقاومة كما تم انتزاع سوريا عبر ربط مصالح العراق بشبكة المصالح الأمريكية والخليجية، ولا سيما أنه سيعد بديلًا لمشروع طريق التنمية أو “القناة الجافة” وهو مشروع عراقي تركي مشترك تم اتخاذ خطوات فعلية في تدشينه وينظر إليه باعتباره جزءًا من مشروع طريق الحرير الصيني.

ثانيًا: رغم أن المشروع يتصادم ظاهريًا مع الطموح “الإسرائيلي” في تشكيل الكيان لمركز الثقل عبر مشروع الممر الهندي واعتبار ميناء “حيفا” هو الميناء المركزي للتصدير إلى أوروبا، إلا أن هذا المشروع يعد مقدمة ضرورية لتشكيل مشروع الممر الهندي عبر إضعاف وعزل محور المقاومة أولًا، حيث لا يمكن تدشين الممر الهندي بالمعطيات الراهنة، لأنه في مرمى محور المقاومة ومحاط بالعوائق السياسية، كما يمكن اعتبار مشروع البحار الأربعة بديلًا، ويمكن ضم الكيان الصهيوني له عبر الاتفاقيات الإبراهيمية وتوقيع اتفاقية سلام مع النظام السوري أو تدشين منتدى أو كارتيل اقتصادي لتوزيع غنائم المشروع.

وهنا يمكن أن نخلص إلى أن أمريكا وعبر رعايتها لخطط كهذا المشروع تعترف ضمنيًا بهزيمتها واستحالة انتزاعها لمضيق هرمز وباب المندب من أنياب إيران ومحور المقاومة، وأن هذا المحور بات مركزًا دوليًا للثقل مثل روسيا والصين، وهو ما أجبر أمريكا وحلفاءها على التحايل والالتفاف، كما أن هذه الخطط تحمل بذور فشلها في تناقض مصالح أعضائها والتنافس بينهم وهو ما قد يتحول لمشروع للصراع وليس لتكتل أو تحالف اقتصادي واستراتيجي، فهناك تنافس بين تركيا والكيان الإسرائيلي، وبين السعودية والإمارات، ناهيك عن أن صمت روسيا والصين لن يطول، وقطعًا محور المقاومة إذا ما تضرر أمنه القومي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى