اراء

حان الوقت لمراجعة أسس الإدارة العربية للصراع مع الكيان

بقلم: حسن نافعة..


حين دخل المشروع الصهيوني حيز التنفيذ، عبر الانتداب البريطاني على فلسطين عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، أدرك الشعب الفلسطيني أن عليه مواجهة احتلال مزدوج، أحدهما عسكري يجسده الاحتلال البريطاني، والآخر استيطاني تجسده الهجرة اليهودية التي راحت تتدفق بكثافة على فلسطين تحت حماية البريطاني، وليس أمامه في هذه المواجهة سوى الاعتماد على قدراته الذاتية، ما يفسر ثوراته المتعددة طوال مرحلة الانتداب، بدءاً بثورة “البراق” (1929) وانتهاءً بالثورة الكبرى (1936-1939).
لكن حين تأسست “جامعة الدول العربية” قبل إعلان قيام “دولة إسرائيل” بثلاث سنوات على الأقل، بدأ العمق العربي للنضال الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني يظهر بوضوح أكبر، ما أدى إلى تحول الصراع مع هذا المشروع من صراع “فلسطيني- صهيوني” إلى صراع “عربي- صهيوني”، وبالتالي لم يعد الصراع مع هذا المشروع قضية تخص الشعب الفلسطيني وحده، وإنما تخص العالم العربي ككل، شعوباً وحكومات، وهو ما حدث بالفعل على الرغم من تفاوت درجة الاهتمام العربي بهذا الصراع عبر مراحل تطوره المختلفة.
تنقسم الإدارة العربية للصراع مع المشروع الصهيوني إلى ثلاث مراحل مختلفة:
المرحلة الأولى: بدأت مع تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 واستمرت حتى نهاية حرب تشرين الأول 1973، واتسمت بسمتين رئيسيتين، الأولى: رفض مشروع تقسيم فلسطين عام 1947، وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني بعد إعلان قيامه من جانب واحد عام 1948، واعتباره كياناً غير شرعي ودخيلاً على المنطقة، ومقاطعته سياسياً واقتصادياً من جانب جميع الدول العربية، والثانية: اندلاع سلسلة من الحروب والمواجهات المسلحة مع هذا الكيان أعوام: 1948 و1956 و1967 و1968-1970 (حرب الاستنزاف) و1973، كانت نتائجها كارثية في مجملها وأدت إلى تحول هذا الكيان من دويلة صغيرة معزولة إقليمياً إلى قوة لا يستهان بها في المنطقة. فعقب حرب 48، توسع هذا الكيان الذي لم تكن مساحته تتجاوز 14000 كم مربع بموجب قرار التقسيم، وتمكن من الاستيلاء على أراضٍ فلسطينية إضافية تزيد على 6000 كم مربع، وأصبح يسيطر على نحو 78% من إجمالي مساحة فلسطين التاريخية. وعقب حرب 56 تمكن الكيان من انتزاع حق المرور البحري عبر مضيق تيران، رغم أنه خسر الحرب سياسياً وأجبر على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء التي احتلها عسكرياً. وفي حرب 67، أصبح إجمالي مساحة الأراضي العربية التي يسيطر عليها يزيد قليلاً على 90000 كم مربع، شملت كل فلسطين التاريخية وشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية، ما يعادل ستة أضعاف مساحته الأصلية.
المرحلة الثانية: بدأت مع نهاية حرب 1973 واستمرت حتى قبيل “طوفان الأقصى”، واتسمت بسمتين متناقضتين، الأولى: تعدد معاهدات “السلام” واتفاقيات “التطبيع” التي تم إبرامها مع الكيان، شملت: مصر (1979) و”منظمة التحرير الفلسطينية” (1993) والأردن (1994)، و”الاتفاقات الإبراهيمية” التي أبرمت خلال فترة ولاية ترامب الأولى وشملت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان وغيرها، والثانية: انتقال الصراع المسلح مع الكيان من أيدي الجيوش النظامية إلى فاعلين من غير الدول (“منظمة التحرير الفلسطينية” وحماس والجهاد الإسلامي  في فلسطين، وحزب الله في لبنان، و”أنصار الله  في اليمن)، ما أدى إلى اندلاع سلسلة طويلة من الحروب والمواجهات المسلحة غير النظامية. أما النتائج التي أسفرت عنها إدارة الصراع في هذه الفترة فكانت مختلطة. فالاندفاع نحو إبرام معاهدات الصلح والتسويات والصفقات السياسية والاقتصادية مع العدو الصهيوني لم يسفر عن سلام حقيقي أو يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بل أدى إلى مزيد من التعنت واتجاه المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف السياسي والديني. وبينما أدت المواجهات المسلحة غير النظامية إلى تحرير جنوب لبنان من دون قيد أو شرط عام 2000، تحت وقع ضربات “حزب الله”، وإلى انسحاب أحادي من قطاع غزة عام 2005، تحت وقع ضربات حماس والجهاد الإسلامي، إلا أنها عجزت في الوقت نفسه عن حسم الصراع أو إجبار العدو الصهيوني على الاعتراف بالحقوق الفلسطينية.
المرحلة الثالثة: بدأت مع انطلاق “طوفان الأقصى” عام 2023 الذي أحدث زلزالاً كبيراً في المنطقة وفي العالم، وما تزال تداعياته وتفاعلاته مستمرة حتى الآن. ورغم صعوبة التنبؤ بالنتائج التي ستفضي إليها هذه المرحلة، سواء بالنسبة إلى مستقبل الصراع مع الكيان أو بالنسبة إلى هيكل وموازين القوى في المنطقة، إلا أنه يمكن التعرف على ثلاث نتائج ملموسة حتى الآن، سيكون لها ما بعدها، الأولى: دخول الكيان في حرب شاملة ومباشرة مع إيران، وذلك لأول مرة في تاريخ الصراع، والثانية: تمكن الكيان من جر الولايات المتحدة للمشاركة معه في حرب استهدفت إسقاط النظام الإيراني، ما أحالها إلى حرب وجودية لا تملك إيران سوى التصميم على خوضها حتى النهاية مهما كان الثمن، والثالثة: انكشاف دول الخليج العربية وانهيار الركائز التي تقوم عليها سياساتها الخارجية والأمنية. فقد أصبحت هذه الدول محشورة بين المطرقة الإيرانية، من ناحية، والسندان الأميركي-الإسرائيلي، من ناحية أخرى، وبدأت تدرك بشكل متزايد أن القواعد العسكرية الأميركية التي حشدتها على أراضيها تحولت إلى عبء عليها، ولم تعد قادرة على حمايتها، وأن تقاربها المجاني مع “إسرائيل” لن يوفر لها مخرجاً من مأزقها.
أخلص من هذا السرد السريع إلى أن الإدارة العربية للصراع مع المشروع الصهيوني أخذت مسارات متعرجة وانطوت على تناقضات بنيوية أوصلت العالم العربي إلى مأزق يصعب الفكاك منه. فحين اعتقد الرئيس السادات أن الوقت قد حان لتوظيف الإنجاز العسكري الذي تحقق في حرب 73 لتحقيق اختراق سياسي يفضي إلى تسوية مقبولة، بنى قراراته التي أدت إلى التحالف مع الولايات المتحدة ثم إلى زيارة القدس، على افتراضين خاطئين تماماً، ولم يكن لأي منهما ما يبرره، الأول: أن حرب 73 أسقطت نظرية الأمن الإسرائيلي، ما يعني أن الكيان أصبح جاهزاً لتسوية سياسية تستند إلى معادلة “الأرض مقابل السلام”، والثاني: أن الولايات المتحدة تملك 99% من أوراق الحل، ما يعني أن تحالف مصر معها، في ظل نظام دولي كان ما يزال ثنائي القطبية في ذلك الوقت، سيشكل حافزاً كبيراً يغريها بإلقاء ثقلها وتوظيف نفوذها لدى الكيان للتوصل إلى تسوية سياسية مقبولة عربياً.
يشير تاريخ الصراع مع الكيان إلى أن الأخير لم ينسحب قط من أرض احتلها إلا إذا أجبر على ذلك عسكرياً، كما حدث في لبنان عام 2000 تحت ضغط عمليات المقاومة التي قادها “حزب الله”، أو سياسياً، كما حدث عام 1956 تحت ضغوط أميركية مكثفة مارسها الجنرال “إيزنهاور”، وذلك في ظروف إقليمية ودولية محددة، اتسمت بتصاعد المد القومي العربي بزعامة مصر الناصرية، من ناحية، وتصاعد حدة الاستقطاب بين الشرق والغرب في نظام دولي ثنائي القطبية، وهي ظروف لم تتكرر مطلقاً في أي مرحلة تاريخية لاحقة. فلم يكن الاندفاع العربي نحو التسوية السياسية كافياً في حد ذاته لإغراء الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على “إسرائيل” لإجبارها على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، أو للتوصل إلى تسوية تقوم على مبادلة الأرض بالسلام، ما يفسر لماذا لم يستطع أي رئيس أميركي آخر أن يقوم بمثل ما قام به “إيزنهاور” عام 1956، رغم توافر فرص عديدة أتيحت أمام مختلف الرؤساء الأميركيين في مرحلة ما بعد حرب أكتوبر 1973، خصوصاً عقب زيارة السادات للقدس عام 1977، وعقب “حرب تحرير الكويت” عام 1991، وعقب تبني قمة بيروت مبادرة السلام العربية عام 2002، إلخ.
والواقع أن ما يجري في المنطقة العربية منذ “طوفان الأقصى” وحتى اليوم يؤكد أن الكيان الصهيوني لن ينسحب قط من أي جزء من الأراضي العربية التي احتلها عام 1967، بل ويستعد الآن لإعلان قيام “إسرائيل الكبرى” عبر مرحلتين، المرحلة الأولى: ستشمل ضم الضفة الغربية وقطاع غزة، والشروع في بناء المستوطنات في “المناطق الأمنية” التي يحتلها في كل من لبنان وسوريا، والتي لا تقل في مجموعها عن 1000 كم مربع. أما المرحلة التالية فستشمل: الشروع في التهجير القسري لفلسطينيي غزة إلى سيناء، والتهجير القسري لفلسطينيي الضفة إلى الأردن. أما إعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، وهي خطوة أساسية لا بد أن تتم بالتزامن مع إعلان “إسرائيل الكبرى”، فيتوقع أن يشرع الكيان في تنفيذها فور نجاح محاولاته الرامية إلى إسقاط النظام الإيراني، وهي المحاولات التي لم يتم التخلي عنها بعد، لا على الصعيد الإسرائيلي ولا على الصعيد الأميركي.
في سياق ما تقدم، تبدو الحاجة ماسة إلى رؤية عربية جديدة لإدارة الصراع مع المشروع الصهيوني، تنطلق من بديهية مفادها أننا إزاء مشروع بلا حدود جغرافية واضحة المعالم ونهائية، وبالتالي فهو مشروع يمتلك ديناميكية ذاتية للتوسع المستمر، وسوف يواصل توسعه في كل أنحاء المنطقة إلى أقصى حدود ما يمكن لقواته العسكرية أن تصل إليه. ولذا، يجب على العالم العربي أن يتعامل مع هذا المشروع باعتباره مصدر التهديد الرئيسي للدول العربية كافة، مجتمعة ومنفردة، وأن يتعامل مع جميع المعادين له باعتبارهم حلفاء طبيعيين له مهما تباينت مصالحهم وسياساتهم. لذا، فإن أي إدارة عربية رشيدة للصراع مع المشروع الصهيوني تتطلب من الدول الرئيسية في العالم العربي أن تدخل في حوار فوري مع إيران هدفه تقليص أظافر هذا المشروع، من خلال البحث عن تسوية مشتركة للقضايا العالقة، خصوصاً في مضيق هرمز واليمن ولبنان وسوريةا، والدفع في اتجاه التوصل إلى تسوية سياسية للقضية الفلسطينية تستند إلى الحدود المرسومة للدولتين العربية واليهودية في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى