الراحلة سحر سامي الجنابي في شعرية النهل من المقدس


أحمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي
للعالم السفلــــــــ
ي تعريفاته وتوصيفاته وإيحاءاته، ليس هذا مقالاً في مقام جردها ولا الخوض في تفاصيلها، بقدر ما المسألة أعمق من ذلك بكثير ومتضمنة لما يحيل على التجربة الإبداعية الناضجة الموغلة في ارتباطاتها بمحطات وجدانية لتفريغ خبايا النفس المكلومة وبدافع تحاشي الاصطدام العبثي براهن التطرّف في شموليته، تبعاً لما ينتج المشاهد المنبوذة والمرئيات الضبابية المقززة المنعكسة سلبا على الذات السوية ـ نسبياً ـ والمتسربلة باعتدالها ووسطيتها إن فطرةً أو اكتسابا.
لهذه الظاهرة تأثيراتها وتبعاتها بكل تأكيد، وهي في أسمى تجلياتها أشبه بطيف تحريضي ـ إبداعيا ـ دافع باتجاه تخليق مناجاة رمزية داخلية بحجم الوجع الكامن استقواء على اللعبة التعبيرية بخيوط معجمية رصينة لا تتسم بالغموض قصد إضفاء طابع القداسة على الخطاب و الإسراف في تضخيم المعلومة وتغليظ اللهجة و استثمار المعطى أو الموروث الديني.
من هذا المنطلق يسهل تصنيف الشاعرة العراقية الراحلة سحر سامي الجنابي ضمن أبرز الأصوات الناعمة المشبوبة بالقوة والندرة والتفنّن في العزف على الوتر العقدي في فضح المكنون وتعرية الذات. كونها تتمتع بطاقات دفينة لرسم النرجسية المقبولة والفعالة في مجابهة شتى صور الشذوذ وتراكمات المألوف المنفرّة في خلخلة المنظومة المفاهيمية المتقادمة والمتجاوزة تطلّعا إلى إعادة ترتيب العلائق بالذات فالآخر فالعالم وصولا إلى مستويات الترميم والتصافي والمصالحة انتهاء.
إنها البعض من درر مستشفة من كهذه مقاربة تفكيكية لنص دسم ومفخّخ ببؤر الأسرار المولّدة للدهشة منذ البدء والمناغية للذائقة على نحو يخول للمتلقي امتياز تقمّص أدوار شخصية الطرف المشارك كامتداد للفعل الإبداعي.
وما التوظيف المحكم والمقصود الذي يطول الفعل النافذ في الزمن الماضي/ دخلت، شرعت، نفثت، حرّرت، إلّا صيحة مدوية لإيقاظ الذاكرة المترهلة، ومحاولة جريئة رامية إلى إعادة تفجير وقفات تاريخية فينا، على وفق ما يشحذ ويغذي الإرادة ويقوّيها في شخص هذا الأمير وقد خصّته شاعرتنا بخطابها المهيكل لمناجاة معاتبة وواشية بأبعاد آدمية تارة وترابية تارة أخرى، المعني الأول والأخير بها ماثل في الوطن على الأرجح.
دخلت عالمك السفلي
بدورها العنونة تنم عن إرادة فولاذية تتحلى بها صاحبة المادة المنقودة، وصوت قوي جدا وجاهزية تامة لخوض مغامرة ولوج عالم سفلي مجهول ومهول باعث على القشعريرة ومنطوٍ على الأخطار، لا يقل عن الوطن المرئي دموية واضطرابا وهواجس وفوضى ودمارا وأشباحا، ولعله المرآة الأصدق والأقدر على فك طلاسيم ما نكحّل به أعيننا كل حين:
شرعت أكسر زجاج الوحشة وأهبط السلّم
رجوتك أن تتسلّقه كشجرة اللبلاب.. أخذتك العزة بالإثم
ضربت الأشواك المفترسة حول قلعتك المسكونة.. بقلمي
وكلما التفّت حول رقبتي أغصان فكرك المتطرّف.. قطعتها بسيف إرادتي0
من الملاحظ أن استدعاء مفردة “الوحشة” هنا حاصل بأسلوبية معزولة المشاعر الدالة على وجود أيّ من مركّبات النقص. وعلى فق قوالب استثنائية وعجائبية مشدودة إلى رؤية منطلقة من الذات ومتحرّشة بالطقوس الشيطانية المتسلّطة على طفولة وبراءة الوطن، ومعارضة لكل النواميس المارقة والملطّخة للسيادة الترابية والكرامة الإنسانية تحديدا:
نفثت أنفاس موهبتي على الثعابين التي كبّلت قدميك..
عجبا بقاؤك في هذا القيد المظلم
سمعتك تناديني من خلف ظلمات عشر: ــ من أنت؟
ــ إني فارسة تغامر لإنقاذ أميرها المسحور
فحرّرت جوادك الذي ربطته إلى حافة الشلال
هاك يدي.. سأجرّك إلى عالمي.. إياك أن تسحبني
إلى عالمك فتبتلعنا المتاهة
فلا قاسم مشتركاً بين عالمينا
إلا أنا وأنت
هنا يكمن دور الإبداع وحويته عموما وذروة سحره. ففي عسل الموهبة الآخذة في التفشي ومعانقة آفاق الصقل وتطوير الإمكانات على تحويل المعاناة إلى كائنات ورقية مؤنسة ومروّحة عن الروح الدامية، في كل ذلك ملامح تشكيل البلسم والترياق المضاد للسموم المنبثقة ما الأوطان المشلولة والعاجزة عن سنّ مساطر قمع الزمرة الفاسدة المفسدة.
برغم فروسية شاعرتنا فهي تعترف بتورّطها الذي تسميه إدمانا في البعض من قصائدها، وانقيادها إلى دهاليز المغامرة الكلامية مبهمة الحدود والأدغال.
تقبل متحمّسة دونها مفاجآت جمة يلفها عمى الألوان حين يتعلق الأمر بالحس الوطني وهمّ الهوية الضاغط والمؤجج لقناعات تقصّي أسباب الخــــــــلاص للوطن وإغاثته من لحظة البرزخية والتمزق والتيه.



