اراء

تركيا ومصر.. تحالف محتمل أم عداء تقليدي؟

حسني محلي..

بعد عداء تركي عنيف للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على خلفية إطاحته في حزيران 2013، بالرئيس المنتمي إلى جماعة “الإخوان المسلمين” محمد مرسي، وهو ما أغضب الرئيس رجب طيب أردوغان كثيراً، أسهمت الوساطة القطرية في جمع الرئيسين في الدوحة، خلال افتتاح مباريات كأس العالم في 20 تشرين الثاني 2022.

وتلا ذلك عدد من اللقاءات في مناسبات مختلفة، والزيارات المتبادلة بين أنقرة والقاهرة، بعدما نسي أردوغان، أو تناسى، كل ما قاله عن الرئيس السيسي، وأقسم أكثر من مرة أنه “لا ولن يلتقي به، لأنه انقلابي ودكتاتور يقتل شعبه”.

وجاءت الأحداث الأخيرة في المنطقة، وأهمها العدوان الصهيو – أمريكي على غزة ولبنان ثم إيران، والأهم إطاحة الرئيس بشار الأسد، لتدفع الطرفين المصري والتركي إلى الحوار، ثم التنسيق والتعاون المشترك، مع التذكير بعلاقاتهما التأريخية التي يعود عمرها إلى ما لا يقل عن 500 عام.

فقد هزم السلطان سليم الأول دولة المماليك، التي كان جانب أساسي من نخبها الحاكمة ذا أصول تركية وشركسية، في معركة الريدانية، في 22 كانون الثاني 1517.

ولم يمنع ذلك الدولة العثمانية من الاستنجاد بوالي مصر محمد علي باشا، ليساعدها المصريون في القضاء على تمرد آل سعود ضد الدولة العثمانية. فقضى الجيش المصري على هذا التمرد، وأسر عبد الله بن سعود، وأرسله إلى إسطنبول، فأعدمه السلطان محمود الثاني عام 1818.

وهو ما لم ينسه آل سعود، الذين كانت علاقاتهم سيئة دائماً مع الدولة العثمانية، بل حتى مع الجمهورية التركية، من دون أن يمنعهم ذلك من التواصل مع أنقرة بسبب التطورات الإقليمية، وخصوصاً بعد المصالحة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس أردوغان، التي بدأت عام 2022، بعدما هدده الأخير وتوعده إثر جريمة قتل جمال خاشقجي في إسطنبول، في تشرين الأول 2018.

ليبيا في قلب الخلافات المصرية – التركية

جاءت الاتفاقية التي وقّعتها أنقرة مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، في تشرين الثاني 2019، لتضع تركيا مرة أخرى وجهاً لوجه مع السعودية ومصر والإمارات، التي كانت تدعم قوات خليفة حفتر حين كانت تحاصر طرابلس، إلى أن تدخل الجيش التركي وأسهم في هزيمتها، على الرغم من الدعم المصري والإماراتي والسعودي لها.

وكان ذلك سبباً لفتور وتوتر جديدين بين القاهرة وأنقرة، بعد أن عززت تركيا وجودها العسكري في ليبيا، كما هو الحال في الصومال والعراق وقطر وسوريا.

ولم يمنع كل ذلك الطرفين من العودة إلى الحوار في مواجهة التطورات الخطيرة في المنطقة، وهو ما دفع بعضهم، مؤخراً، إلى الحديث عن “تحالف” بين تركيا ومصر والسعودية وباكستان، من أجل العمل المشترك لمواجهة تطورات المنطقة، مع معلومات إضافية عن اتفاقيات عديدة بين القاهرة وأنقرة في مختلف المجالات، بما فيها المجال العسكري.

وهو ما اعتبرته “تل أبيب” خطراً عليها، متناسية حجم المودة بين حليفها الاستراتيجي، الرئيس دونالد ترامب، وكل من الرئيسين السيسي وأردوغان، بل حتى الشريكين الآخرين، محمد بن سلمان والثنائي الباكستاني شهباز شريف والجنرال عاصم منير.

أنقرة تنفتح على شرقي ليبيا

لم تمنع هذه التفاصيل أنقرة من الاستمرار في سياساتها التقليدية في ليبيا، بالتنسيق مع واشنطن، التي تسعى إلى صياغة المستقبل الليبي بعد توحيد طرابلس وبنغازي، اللتين تشهد العلاقات بينهما تطورات مثيرة وسريعة مع تركيا، في المجالات كافة، بما فيها العسكرية والاستخباراتية والأمنية.

وكانت هذه المجالات حكراً على المصريين، الذين يراقبون هذه التطورات عن كثب وبشيء من القلق، هذا بالطبع إن لم يكن التحرك التركي يجري بالتنسيق والتعاون معهم، أو بضوء أخضر منهم.

وفي الوقت نفسه، تستمر زيارات المسؤولين الليبيين الذين يسيطرون على شرقي البلاد، وفي مقدمتهم أبناء خليفة حفتر والمقربون منهم من العسكريين والمدنيين، إلى تركيا، التي بدأت دخول السوق الاقتصادية والتجارية في شرقي البلاد.

يجدر التذكير هنا بتجارب الأتراك في ليبيا منذ عهد الزعيم الراحل معمر القذافي، إذ كانت الشركات التركية تنفذ مشاريع بقيمة مليارات الدولارات في مختلف أنحاء البلاد.

تنافس إقليمي ممتد إلى أفريقيا

يأتي كل ذلك في وقت يتحدث فيه الإعلام التركي والدولي، بين حين وآخر، عن سياسات الانفتاح والتمدد التركي في شمالي أفريقيا، ومنها إلى تشاد والسودان، بل حتى مالي والنيجر والصومال، حيث لمصر أيضاً اهتمامات مماثلة.

وهو حال الكيان الصهيوني، الذي استغل ويستغل دائماً المنافسات العربية – العربية، ثم العربية – الإيرانية، والآن العربية – التركية، وأخيراً التركية – الإيرانية، على اعتبار أن تركيا تمثل “العالم الإسلامي السني” المدعوم من “العالم العربي السني”، فيما برزت إيران بوصفها دولة إقليمية تواجه، إلى جانب محور المقاومة في لبنان واليمن والعراق، عدوان التحالف الصهيو – أمريكي، وتحظى بتعاطف وتضامن ودعم ليس من الشعوب العربية والإسلامية فقط، بل من معظم شعوب العالم.

ولا يزال رد فعل القاهرة على الدور التركي في إطاحة الرئيس بشار الأسد، ودعم الجولاني والمجموعات المسلحة التي كانت مدرجة على قوائم الإرهاب الدولية، غير واضح، إذ ترى مصر في هذه المجموعات خطراً على أمنها الوطني، كما هي الحال مع المجموعات المسلحة المدعومة من أنقرة، والتي تسيطر على غربي ليبيا.

وتسعى أنقرة إلى توسيع دائرة تأثيرها العسكري والاستخباراتي والأمني، وهذه المرة من خلال بناء قواعد عسكرية جديدة في المناطق التي يسيطر عليها “الجيش الوطني الليبي”، بقيادة خليفة حفتر وأبنائه، الذين تربطهم علاقات مميزة بروسيا وباكستان والإمارات، بل حتى بروما وواشنطن، اللتين تنسقان مع أنقرة في ليبيا، في ظل تراجع ملحوظ للدور المصري هناك، بعد تراجع الدور الإماراتي في المنطقة عموماً بسبب تحالف أبو ظبي مع الكيان الصهيوني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى