اراء

مقترح شرق أوسطي بنكهة ترامبية

بقلم: محمد الضبع..


قدمت مصر وقطر وباكستان مقترحاً جديداً لوقف الأعمال العسكرية بين إيران والولايات المتحدة لمدة 10 أيام، يهدف إلى فتح باب المفاوضات مجدداً لحل الأزمة. غير أن هذا المقترح يصطدم بالواقع؛ فالعدوان الذي فجرته واشنطن في 28 فبراير 2026 وعودتها للهجوم في يوليو الجاري يكشفان عن منهجية الإدارة الترامبية في عدم احترام الوسطاء أو طاولة المفاوضات. وهي منهجية تكررت مشاهدها مع طهران في يونيو 2025، ثم في فبراير ويوليو 2026، مؤكدة استهانة واشنطن بسيادة الدول واستقرار المنطقة.تاريخ
المقترح الإقليمي ينص على فتح مضيق هرمز (وهو ما يتمناه ترامب وأوروبا المنصاعة لرغباته: فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا) بتوقف الهجمات الإيرانية على الممر الجنوبي، ورفع أمريكا الحصار البحري عن الممر الشمالي. ووفقاً لما ذكره موقع “أكسيوس” الأمريكي، يتم استغلال فترة الهدنة لعقد مفاوضات حول تنظيم الحركة في المضيق، وكأن القضية هي المضيق وليس العدوان المطلوب إيقافه.
تقرير “أكسيوس” أشار إلى السماح لإيران وسلطنة عُمان بتحصيل ما وصفه المقترح بـ “رسوم خدمة معقولة” مقابل تقديم خدمات الأمن البحري والحماية البيئية على غرار “مضيق ملقا”، وإيداع العائدات والرسوم في صندوق مشترك يُدار بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية. وهو مقترح يتماشى مع المطالب الأمريكية التي كشف عنها رئيس تحرير جريدة الوفاق الإيرانية مختار حداد، إذ كشف في حوار مع قناة الميادين اللبنانية عن جانب من كواليس مفاوضات إسلام أباد، حيث طلب نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” من طهران السيطرة والإدارة المشتركة لمضيق هرمز، وفرض رسوم مرور يتم تقاسمها بين واشنطن وطهران. وهو ما رفضته طهران؛ لأن قبول الإدارة المشتركة ـ كما قال المستشار العسكري للمرشد اللواء محسن رضائي ـ يعني هيمنة أمريكا على عنق زجاجة الطاقة في العالم، وتحديدها أسعار النفط بشكل إملائي، وبدء حرب عالمية ثالثة ضد قوى مثل الصين وروسيا.الوقت والتقاويم
إذن، المقترح الشرق أوسطي الجديد هو مقترح ترامبي يرتدي عباءة إقليمية لتضمّنه ما يريده ترامب بمنطق سيادة أمريكا على العالم، وترفضه إيران دفاعاً عن سيادتها. وهو أمر تراه الأنظمة العربية خروجاً عن مألوفها؛ لأنها اعتادت دائماً أن تكون صناديق بريد أو صدى للرغبات والرؤى الأمريكية، بدلاً من أن تكون مشاريع مستقلة تبحث عن مصالح شعوب المنطقة ودولها بصلابة.هيئات تنفيذي
المقترح الجديد مصمم برؤية وهوى أمريكيين، لتحقيق الهدف الاستراتيجي الأهم لواشنطن ألا وهو ضمان التدفق الحر للنفط والغاز والأسمدة، بإعادة فتح المضيق ووقف استهداف السفن لمنع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية دون الحاجة لحرب ربما تطول مدتها وتكون غير مضمونة النتائج.
وأيضاً، نزع سلاح الضغط الإيراني بإفقادها القدرة على إغلاق هرمز أو تهديد الملاحة في أي مواجهة محتملة قادمة، من خلال المقترح الجديد الذي يفرض هدنة وتفاوضاً على قواعد جديدة يُحيدان ورقة إيران الرابحة. وإنشاء صندوق مشترك للرسوم تحت إشراف منظمة دولية يحقق هدفاً أمريكياً وهو سحب التفرد والسيطرة على المضيق من طهران وسلطنة عُمان، بإدخال أطراف دولية تمتلك سلطة “الفيتو” أو الرقابة.
بالتالي، فإن فرض الرسوم على غرار “مضيق ملقا” يبدو جائزة مالية لإيران لتشعر بأنها حققت مكسباً مالياً، لتغطية حقيقة تقييد حريتها السيادية للتحكم في المضيق.
الخلاصة أن الرؤية أو الفلسفة الجوهرية للمقترح تخدم الأولويات الأمريكية، وهي: تهدئة الأزمة، وتدويل إدارة المضيق، وتحييد أوراق الضغط الإيرانية دون تقديم أمريكا أي تنازلات.
فات الوسطاء الإقليميين أن طهران التي رفضت فتح المضيق مقابل إطلاق سراح أموالها المجمدة والتي تقدر بنحو 120 مليار دولار دفعة واحدة، ورفضت مشاركة أمريكا في تقاسم عائدات المضيق، لا يمكن أن تبيع سيادتها وشعبها المرابط في الشوارع والميادين منذ 28 فبراير 2026 تضامناً وتأييداً لنظامه، مقابل سيادة تأتي عبر تسوية.
مشكلة أنظمة الشرق الأوسط أنها تعتمد منذ عقود على أمريكا كمزود رئيسي للأمن والسلاح، مما جعل هامش المناورة ضيقاً لدى العديد من العواصم ـ خاصة دول القواعد (الخليج والعراق وسوريا والأردن)ـ عند صدور أوامر أو توجيهات أمريكية. كما أنها تدير الأزمات بأسلوب المسكنات لحماية المصالح الأمريكية والأوروبية، دون معالجة الجذور الحقيقية للنزاعات في المنطقة، كما يحدث في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن والسودان وليبيا والصومال.
ومن مشكلات أنظمة الشرق الأوسط أيضاً، خاصة العربية منها، غياب المشروع الإقليمي الجامع بسبب غياب التوافق بين الدول الرئيسية بالمنطقة؛ فلكل منها أجندتها وأطماعها، وكل منها يسعى لاسترضاء أمريكا على حساب مصالح شعوبها، مما جعل أمريكا هي الطرف الوحيد القادر على فرض قواعد اللعبة، ومفروضاً على باقي الأطراف الدوران في فلكها.
وهو ما ترفضه إيران فصارت بنظرهم “مارقة”، ورفضته المقاومة فباتت “ميليشيات إيرانية”
الوساطات عندما تُراعي المصالح الأمريكية والاستقرار بالمفهوم الأمريكي الصهيوني، وتتجاهل مبادئ السيادة والعدالة، فإن الأزمات لا تنتهي وتعود بشكل أشد، كما يحدث حالياً في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان. ويبقى شعور الشارع بأن القرار الإقليمي والمحلي مرتهن للإدارة الخارجية في واشنطن والعواصم الأوروبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى