كيف كشفت جلسة الكونغرس أزمة السردية الأمريكية في الحرب على إيران؟

بقلم: شرحبيل الغريب..
وصف سيناتور أمريكي في جلسة علنية حديثة للكونغرس الأمريكي، وزير الحرب بيت هيغسيث بـ”الفاشل”، على خلفية مقتل جنود أمريكيين بصواريخ إيرانية مؤخراً، على الرغم من تأكيد إدارة ترامب أكثر من مرة أنها دمّرت القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل.
يكشف مثل هذا الوصف العلني نتيجة مهمة في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، مفادها أن الإدارة الأمريكية لم تفلح عملياً في إقناع الكونغرس الأمريكي والرأي العام الداخلي بسردية الانتصار والنجاح في تدمير المقدرات والقدرات العسكرية الإيرانية. وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كانت إدارة ترامب قد فشلت داخلياً، فكيف ستقنع العالم بهذه السردية خارجياً؟.
ما كشفته جلسة الكونغرس، عبر وصف وزير الحرب الأمريكي بـ”الفاشل”، يعكس حالة التصدع الكبير في المصداقية على الصعيد الداخلي، ويجعل تسويق الرواية والسردية الأمريكيتين خارجياً، وإقناع العالم بأن الحرب تؤتي ثمارها، أكثر صعوبة. قد ينظر البعض إلى هذا التطور على أنه نهاية لمسار الحرب، لكن، في تقديري، هو بداية مرحلة استنزاف طويلة، مع الفشل في تحقيق أهداف الحرب على إيران.
وينسجم هذا التقدير تماماً مع ما ذهبت إليه الاستخبارات الأمريكية، مؤخراً، في تقييم حديث كشفت عنه صحيفة “واشنطن بوست”، في الـ 20 من تموز الجاري، ومفاده، أن الضربات الجوية الأمريكية لن تدفع إيران إلى التراجع أو الاستسلام.
ويخلص التقييم الاستخباري الأمريكي، بحسب مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، إلى أن الضربات العسكرية وحدها لن تجبر إيران على تقديم تنازلات نتيجة موجات الضربات الأمريكية الجارية.
السردية جزء من إدارة الحرب
لم تعد السردية مجرد أداة إعلامية تُستخدم في الحروب، بل أصبحت جزءاً من إدارة الحرب نفسها. والولايات المتحدة، التي تعجز عن حماية سرديتها، حتى إن امتلكت تفوقاً عسكرياً، تخاطر بذلك بمرتكز أساسي وجزء من نفوذها السياسي.
فالقوة في عالمنا اليوم لا تُقاس بالترسانة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على إنتاج سردية صادقة ومتماسكة وقابلة للإقناع.
وتكتسب جلسة الكونغرس الأمريكي التي انعقدت مؤخراً أهمية تتجاوز حدود الخلاف بين الأحزاب الأمريكية. فما بدا في ظاهره سجالاً سياسياً يحمل، في جوهره، مؤشرات على تصدع السردية الأمريكية التي حاول الرئيس ترامب، مراراً وتكراراً، ترسيخها عقب الحرب على إيران، في كل إطلالة إعلامية أو تغريدة أو لقاء صحافي.
ففي الوقت الذي أعلنت فيه إدارة ترامب وروّجت أنها وجّهت ضربات قاصمة أنهت القدرات العسكرية الإيرانية، جاءت أسئلة المساءلة من أعضاء في الكونغرس الأمريكي، ورافقتها انتقادات لاذعة لمسؤول رفيع كوزير الحرب، وما أُثير بشأن مقتل جنود أمريكيين بصواريخ إيرانية، لتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى انسجام السردية الرسمية التي تُصدَّر إلى الرأيين العامين الداخلي والخارجي مع الوقائع على الأرض.
الحروب تُدار بالسلاح والسردية
علّمتنا السياسة شيئاً مهماً، وهو أن الحروب لا تُدار بالعدة والعتاد العسكري فقط، بل بالسردية والقدرة على جعلها قابلة للتصديق. وأشارت تجارب الحروب كلها إلى نتيجة مفادها أن القضية ليست من بدأ إطلاق النار، ولا من هو القادر على الاستمرار، بل من نجح في إقناع العالم بسرديته وبأنه صاحب الموقف الأكثر شرعية في هذه الحرب.
وشاهدنا جميعاً كيف تراجعت صورة “إسرائيل” ومكانتها عالمياً نتيجة الحرب على غزة، وتأثير السردية الفلسطينية في نقل الحقيقة إلى العالم، وهنا يتكرر المشهد بالطريقة ذاتها. ولطالما شاهدنا كيف استثمرت دول بعينها ملايين الدولارات في الإعلام الاستراتيجي من أجل روايتها وسرديتها، لأنها تدرك أن الرأي العام يتشكل بقوة السردية والحجة والإقناع، وهو ما لا تمنحه القوة العسكرية وحدها.
وانطلاقاً من هذه القاعدة، لا بدَّ من الإشارة إلى أن السردية لا تُفرض بالقوة، كما يعتقد البعض. وهنا أستحضر تغريدات الرئيس ترامب المتكررة، التي فقدت رصيدها وضاعت هيبتها بسبب افتقار معظمها إلى المصداقية. فالمصداقية ليست قرارات سياسية، وإنما هي رصيد يتراكم عبر الاتساق بين الأقوال والأفعال على الأرض في أي حرب دائرة.
معركة تفسير نتائج الحرب
قدم التأريخ السياسي الحديث أمثلة كثيرة تؤكد أن الدول لا تخسر كثيراً عندما تتعرض لانتكاسة عسكرية، فهي تكون واضحة، وإنما تخسر أكثر عندما تفقد القدرة على إقناع الآخرين بتفسير هذه الانتكاسة أو إعادة تأطيرها أو الدفاع عن سرديتها.
وفي تقديري، تجاوز الصراع الدائر في الولايات المتحدة مرحلة حسم الحرب وتحديد من حقق النتائج، إلى معركة الوعي وتفسير نتائج الحرب. وأصبحت السردية الرسمية داخل الكونغرس الأمريكي موضع تشكيك، وبات خصوم الرئيس ترامب من الديمقراطيين يستثمرون ذلك سياسياً، عبر المقارنة بين بيانات الإدارة الأمريكية الرسمية وبين النتائج والخسائر على الأرض.
وأهم معضلة وتحدٍّ تواجههما إدارة ترامب ليسا قوة السردية الإيرانية، على الرغم من أهميتها في المعادلة، بل تحوّل السردية الرسمية في الولايات المتحدة نفسها إلى موضوع خلاف داخلي.
من أزمة سردية إلى أزمة نفوذ
يكشف ما جرى في الكونغرس تراجع الثقة في السردية الأمريكية الرسمية، وهذا لا يمثل أزمة إعلامية عابرة، بل سيتحول تدريجياً إلى أزمة نفوذ تمتد آثارها إلى السياسة الخارجية الأمريكية وتحالفات إدارة ترامب.
ولعل من أهم أدوات القوة في العلاقات الدولية السردية وقوتها، لذلك من الخطأ اختزال ما جرى في الكونغرس باعتباره مجرد مشادة كلامية سياسية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فالقضية في أساسها، ليست خاصة بحزب بعينه، بل هي أعمق من ذلك بكثير، وتتعلق بحسابات كبيرة وارتدادات أكبر.
روّجت الولايات المتحدة، مراراً وتكراراً، أنها تمتلك ترسانة هائلة، وأنها انتصرت في حربها على إيران، لكنها لم تنجح في إقناع الداخل الأمريكي بذلك. وإذا كانت القوة العسكرية تصنع وقائع على الأرض، فإن السردية الصادقة هي التي تمنحها معناها. لذلك، فإن تصدع السردية الأمريكية لا يمثل تحدياً إعلامياً لإدارة الرئيس ترامب فحسب، بل يكشف عن معركة أعمق بكثير تدور في الولايات المتحدة حول تفسير أهداف الحرب وتأثيراتها وانعكاساتها، وحول حدود القوة الأمريكية نفسها.
وحين تتعثر الرواية والسردية في إقناع الداخل الأمريكي، يصبح تسويقهما خارجياً أصعب بكثير، لأن العالم يقرأ تماسك الداخل قبل أن يقرأ البيانات الرسمية الصادرة عنه.
فضحت جلسة الكونغرس تصدع السردية الأمريكية داخلياً، وفي الزاوية الأخرى من الصورة، كسبت إيران المصداقية في سرديتها التي رسمت معالم مهمة جداً في ساحة الاشتباك المستمر؛ سردية مفادها، أن الاستسلام ليس في قاموس إيران، وأن الرهان على ذلك، عبر سرديات غير واقعية، هو رهان على سراب.



