خطبة السيدة زينب (ع) في مجلس يزيد.. محاكمة الطاغية في عقر داره

إنها بطلة المعركة في مجلس يزيد، تقف أمام طغيانه بكل صلابة، وتكلمه بمنتهى الشجاعة، لأنها ترى الواقع الثابت عند الله، ولأجل ذلك نرى أنها تُفرِغ عن منطق أبيها الذي هو نفس المصطفى الحبيب، فتجعل الشام وقصرها الأموي امتداداً لساحة كربلاء وثورة سيد الشهداء، وتجسيداً نموذجيا لقيمها الكريمة وأهدافها السامية، فها هي تقول له: “يا يزيد أما تخاف الله ورسوله من قتل الحسين عليه السلام؟ وما كفاك ذلك حتى تستجلب بنات رسول الله صلى الله عليه وآله من العراق إلى الشام! وما كفاك حتى تسوقنا إليك كما تُساق الإماء على المطايا بغير وطاء! وما قتل أخي الحسين عليه السلام أحد غيرك يا يزيد، ولولا أمرك ما يقدر ابن مرجانة أن يقتله، لأنه كان أقلّ عدداً وأذل نفساً، أما خشيت من الله بقتله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيه وفي أخيه: “الحسن والحسين سيدا أهل الجنة من الخلق أجمعين”؟ فإن قلتَ لا فقد كذبتَ، وإن قلتَ نعم فقد خصمت نفسك واعترفت بسوء فعلك..”.
فقال يزيد: “ذرية يتبع بعضها بعضاً..”.
وقد ركزت السيدة زينب عليها السلام في هذا الخطاب على ثلاثة أمور:
1– الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.
2– تحميل مسؤولية قتل الإمام الحسين عليه السلام ليزيد لتبطل كل محاولة للتبرؤ من ذلك.
3– إثبات أن يزيد لا علاقة له بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد.
السيدة زينب عليها السلام مع الرأس الشريف
اتخذ موقف السيدة زينب عليها السلام عند رؤية الرأس الشريف منحىً عاطفياً، فهي لما رأته نادت بصوت حزين يقرح القلوب: “واحسيناه، يا حبيب رسول الله، يا بن مكة ومنى، يا بن فاطمة الزهراء سيدة النساء، يا بن بنت المصطفى..” فأبكت كل من كان حاضراً في المجلس.
خطبة السيدة زينب عليها السلام:
وهي الوثيقة المحمدية العلوية الفاطمية والحسنية الحسينية التي اتخذت موقعها في سياق خطبة المصطفى الحبيب يوم الغدير، وخطبة أمها الصديقة الكبرى الشهيدة في المسجد النبوي، وخطبة أبيها أمير المؤمنين المعروفة بـ”الشقشقية”، لتشكل هذه الخطب جميعاً الوثائق الأبرز لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وقد ألقت عليه السلام هذه الخطبة بعد تمثّل يزيد بأبيات الزِّبعرى:
“صدق الله ورسوله يا يزيد “(ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِايَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون)”، أظننت يا يزيد حين أُخذت علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا هواناً على الله، وبك عليه كرامة!! وأن هذا لعظيم خطرك فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك، جذلانَ فرحاً حين رأيت الدنيا مستوسقة لك، والأمور متسقة عليك، وقد أملهتَ ونفّستَ وهو قول الله تبارك وتعالى: “(وَلاَ يَحْسَبَنّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين)”، أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك نساءك وإماءك وسوقك بنات رسول اللهم صلى الله عليه وآله قد هتكت ستورهن وأصلحت أصواتهن مكتئبات تحدي بهنّ الأباعر ويحدو بهن الأعادي من بلدٍ إلى بلدٍ، لا يراقبن ولا يؤوين، يتشوفهنّ القريب والبعيد، ليس معهن وليّ من رجالهن، وكيف يستطبئ في بغضنا من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن والأضغان، أتقول: “ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا” غير متأثم ولا مستعظم وأنت تنكت ثنايا أبي عبد الله بمخصرتك؟ ولمَ لا تكون كذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإهراقك دماء ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، ولتردن على الله وشيكاً موردهم ولتودن أنك عميت وبكمت، وأنك لم تقل: “لأهلوا واستهلوا فرحاً”. اللهم خذ بحقنا وانتقم لنا ممن ظلمنا، والله ما فريت إلا في جلدك، ولا حززت إلا في لحمك، وسترد على رسول الله صلى الله عليه وآله برغمك وعترته ولحمته في حظيرة القدس، يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث، وهو قول الله تبارك وتعالى: “(وَلاَ تَحْسَبَنّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)”، وسيعلم من بوّأك ومكّنك من رقاب المؤمنين إذا كان الحكم الله والخصم محمد صلى الله عليه وآله وجوارحك شاهدة عليك، فبئس للظالمين بدلاً، أيّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً، مع أني والله يا عدوّ الله وابن عدوه أستصغر قدرك وأستعظم تقريعك، غير أن العيون عبرى والصدور حرّى وما يجري ذلك أو يغني عنّا، وقد قُتل الحسين عليه السلام، وحزب الشيطان يقربنا إلى حزب السفهاء ليعطوهم أموال الله على انتهاك محارم الله، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، وهذه الأفواه تتحلب من لحومنا، وتلك الجثث الزواكي يعتامها عسلان الفلوات، فلئن اتخذتنا مغنماً لتتخذن مغرماً حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، تستصرخ ابن مرجانة ويستصرخ بك، وتتعاوى وأتباعك عند الميزان، وقد وجدت أفضل زاد زوّدك معاوية قتلك ذرية محمد صلى الله عليه وآله، فوالله ما اتقيتُ غير الله ولا شكواي إلا إلى الله، فكِدْ كيدك واسْعَ سعيك، وناصِبْ جهدك، فوالله لا يرحض عنك عار ما أتيت إلينا أبداً، والحمد لله الذي ختم بالسعادة والمغفرة لسادات شبّان الجنان، فأوجب لهم الجنة، أسأل الله أن يرفع لهم الدرجات وأن يوجب لهم المزيد من فضله، فإنه ولي قدير”.



