اراء

لا انتصار ولا سلام.. حروب أمريكا الإمبريالية العقيمة

مازن النجار..

كيف يمكن للمرء ألّا يفقد اليقين في عالم دونالد ترامب؟ ومن يدري ما يخبئه المستقبل من حروب وأزمات؟ وما الدولة التي سيهاجمها ترامب تالياً؟ نعم، في الوقت الحالي، لا يزال منغمساً بشدة في حربه أو هدنته أو نزوته في غربي آسيا، أو أيّاً كان ما سيُسمى غداً.

بالأمس كانت فنزويلا، وفي الأسبوع المقبل قد تكون كوبا أو غرينلاند، أو من يدري أين ستكون الحرب القادمة؟ ناهيك بغارات القصف العسكري المستمرة في الصومال، والتي تكررت 75 مرة منذ بداية هذا العام فقط، والتي بالكاد تلاحظها وسائل الإعلام الرئيسة الأمريكية.

ومن يدري ما الذي يمكن توقعه في عالمنا هذا، الذي يزداد غرابة، من رئيس تعهد مراراً وتكراراً، خلال حملته الانتخابية الثالثة، بأنه لن يُقدم أبداً على حرب؟

مؤخراً، صدرت تحذيرات وزير الحرب، وهو منصب، بالطبع، لا يمكن أن يكون أكثر صراحة في عصر من لا يُذكر اسمه، بيت هيغسيث، من أن “مستقبل كوبا بات بين يدي رئيس الولايات المتحدة وقيادة كوبا. ومهما يكن، ستكون وزارة الحرب على أهبة الاستعداد لأي طارئ محتمل“.

يلاحظ المؤرخ والمفكر الأمريكي توماس إنغلهارت أن أي طارئ محتمل، باستثناء، الانتصار، الذي لم يعد موجوداً في قاموس الأميركيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أو، في الواقع، باستثناء السلام!.

ماذا يمكن أن يحدث خطأً في عالم يضم الآن، ويا للعجب، أول تريليونير، إيلون ماسك، صديق دونالد ترامب أحياناً؟ وعلقت السيناتور إليزابيث وارين على ذلك ببراعة، قائلة: “أود أن أوضح: هذا ليس مصادفة، بل هو سمة من سمات اقتصاد متلاعب به“.

يتساءل إنغلهارت: ما الذي يمكن أن يحدث خطأً في مثل هذا الكوكب المتلاعب به؟ المؤكد أن دونالد ترامب وإيلون ماسك لا يمكنهما تخيله.

ما الذي يمكن أن يحدث خطأً في عالم لا يبدو فيه أي رئيس أميركي مدركاً أن الحروب لن تربحها أميركا أبداً، مهما بلغت قوتها وحجم ميزانية البنتاغون المتضخمة باستمرار، والتي قد تصل قريباً إلى 1.5 تريليون دولار سنوياً، وهذا ليس خطأً مطبعياً، إذا كان لدونالد ترامب رأي في الأمر؟ والمفارقة أنه لا يزال يُشار إلى ذلك في الكونغرس باعتباره إنفاقاً “دفاعياً“.

لا يزال دونالد ترامب في حالة حرب، أو ربما في حالة فوضى، مع إيران، الدولة التي تبعد نحو 10 آلاف كيلومتر عن واشنطن العاصمة، وتُعد ذات أهمية بالغة للقوة الأميركية على هذا الكوكب الذي يعاني احتباساً حرارياً وارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة.

وقد أغلقت إيران مجدداً مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة نحو 25% من نفط العالم و20% من الغاز الطبيعي العالمي، وكان دونالد ترامب يهدد بالسيطرة على المضيق بنفسه.

يرى إنغلهارت أن المنطق المريع، بل المرعب، لما يفعله ترامب الآن بات واضحاً جلياً، أو ينبغي أن يكون كذلك، لأي شخص لديه أدنى معرفة بتأريخ أميركا الإمبراطوري منذ انتصارها في الحرب العالمية الثانية عام 1945.

لكن الأمر يختلف تماماً عندما يتعلق بالحرب على النمط الأميركي. هناك، يبدو كأنه جزء ممل من قصة، يتجاوز عمرها الآن ثلاثة أرباع قرن، عن كيف أن القوة التي بدت أعظم قوة على كوكب الأرض، في العقود الطويلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، لم تستطع ببساطة أن تنتصر في أي حرب.

فقد زجّ بنا الرئيس هاري ترومان بصراع كبير في كوريا، على بُعد نحو 11 ألف كيلومتر من واشنطن، عام 1950، وعندما انتهى الصراع بعد ثلاث سنوات، تركت الولايات المتحدة للكوريين الشماليين نحو نصف شبه الجزيرة الكورية.

وفي عام 1961، زاد الرئيس جون كينيدي الدعم الأميركي لما كان يُعرف بالمستعمرة الفرنسية في الهند الصينية، حتى هزيمة جيشها في معركة “ديان بيان فو” أمام قوات الزعيم هو تشي منه.

ثم أشرف على ما سيصبح حرباً أميركية شاملة في فيتنام، التي تبعد نحو 13600 كيلومتر عن الولايات المتحدة، بالإضافة إلى حرب في لاوس، التي تبعد أيضاً مسافة مماثلة، وكمبوديا، التي تبعد نحو 14400 كيلومتر.

واستمرت حروب الهند الصينية 14 عاماً أخرى، وانتهت بانسحاب أميركي كارثي وفوضى عارمة وهزيمة ساحقة عام 1975.

وفي عام 2001، شن الرئيس جورج بوش الابن حرباً في أفغانستان، ضمن ما سماها “الحرب العالمية على الإرهاب”، وهي دولة تبعد نحو 11 ألف كيلومتر عن واشنطن.

واستمرت هذه الحرب 20 عاماً أخرى قبل أن تنتهي، بالطبع، بهزيمة أميركية ساحقة، وانسحاب كارثي لآخر القوات الأميركية من هناك، في إطار مسار بدأه الرئيس دونالد ترامب واستكمله الرئيس جو بايدن عام 2021.

وفي عام 2003، شن بوش حرباً على العراق، على بُعد نحو 10 آلاف كيلومتر من واشنطن، وهو صراع أنهاه الرئيس باراك أوباما، بهزيمة أخرى، عام 2011، رغم استمرار واشنطن في المشاركة في بعض القتال هناك لاحقاً.

ناهيك عن أنشطة الحرب الأميركية الأخرى على هذا الكوكب، بما في ذلك حرب جوية لا تنتهي في الصومال، والتي بدأت إرهاصاتها مع التدخل العسكري في عهد الرئيس جورج بوش الأب، أوائل التسعينيات، ولا تزال مستمرة حتى اليوم من دون أي مؤشر إلى النجاح.

إذاً، وللتأكيد على هذه النقطة البديهية، فإن أعظم قوة إمبريالية حقيقية على كوكب الأرض، والوحيدة الباقية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق عام 1991، لم تحقق أي نجاح حربي حقيقي يُذكر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وحتى لحظة ترامب الراهنة، بعد 80 عاماً.

وبالطبع نحن نتحدث عن الدولة التي تمتلك أكبر جيش على وجه الأرض، والتي تنفق على جيشها أموالاً، لا تزال تسمى “إنفاقاً دفاعياً”، حتى وإن تغير اسم الوزارة المسؤولة عنه إلى وزارة الحرب.

يدعو إنغلهارت إلى تذكر هذا، قبل حتى أن يحاول دونالد ترامب رفع الإنفاق العسكري لهذه الدولة من تريليون دولار سنوياً تقريباً إلى ما يقارب 1.5 تريليون دولار.

الآن، في ضوء كل ذلك، ما الذي يجب توقعه فيما يتعلق بحرب دونالد ترامب ضد إيران؟

بالطبع، الرئيس الأميركي وجيشه قادران بوضوح على إحداث دمار شامل هناك، كما حدث في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق. وقادران أيضاً على قتل أعداد هائلة من الإيرانيين وتحويل تلك المنطقة إلى بؤرة كارثة محتملة. وبالطبع، يصر الرئيس ترامب بالفعل على إعادة فرض الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، بينما يصف نفسه وبلاده بـ”حامي” مضيق هرمز.

لكن إنغلهارت يؤكد أن ما يشير إليه التأريخ هو أن ترامب وبطانته لن يكونوا قادرين، في الواقع، على تحقيق انتصار في حربهم ضد إيران

وقد يفسر هذا سبب عدم رغبة الصين، الدولة التي تُعد بوضوح القوة الإمبريالية العظمى القادمة على كوكب الأرض، في ارتياد مسار مماثل. صحيح أن الصين خاضت حرباً حدودية قصيرة مع فيتنام عام 1979، وخاضت مناوشات حدودية مع الهند بين عامي 2020 و2021، وعززت جيشها وقواتها النووية خلال هذه السنوات.

مع ذلك، يظهر أنها لا تُبدي اهتماماً يُذكر بالسير على النهج الإمبريالي المعتاد في شن الحروب العالمية، نظراً إلى الدرس الذي قدمته الولايات المتحدة بإنفاقها أموالاً هائلة على حروب عقيمة، عقداً بعد عقد، حتى هذه اللحظة. وربما لم يشهد التأريخ الإمبريالي لكوكبنا قوة ولا سيرة كهذه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى