مَنْ يحكم العالم ؟

أ- د. محمد تركي بني سلامة
ثمة سؤال مخيف ينبغي أن يُطرح اليوم بلا مواربة، ماذا لو كان بعض الذين يملكون قرار الحرب والسلام لا يخشون نهاية العالم، بل يؤمنون بأنها جزء من سيناريو ديني يجب أن يتحقق؟.
السؤال ليس ترفًا فكريًا، ولا دعوة إلى نظرية مؤامرة، إنه سؤال سياسي وأمني وأخلاقي يصبح مشروعًا كلما دخلت النبوءات الدينية إلى لغة السياسة، وكلما جرى تقديم الحروب بوصفها تنفيذًا لإرادة إلهية، وكلما التقت هذه الأفكار بقوة عسكرية هائلة قادرة، في عصر السلاح النووي والذكاء الاصطناعي، على تحويل أكثر التصورات جنونًا إلى كارثة حقيقية.
ما ينبغي أن يقلقنا في الشرق الأوسط ليس فقط ما تفعله الولايات المتحدة وإسرائيل، بل كيف يفكر بعض أصحاب النفوذ فيهما، وما الأفكار والعقائد التي تتحرك خلف بعض المواقف السياسية.
فهناك تيارات مسيحية صهيونية وإنجيلية متشددة لا تنظر إلى إسرائيل باعتبارها مجرد دولة وحليف استراتيجي للولايات المتحدة، وإنما تمنح وجودها ومستقبلها موقعًا مركزيًا في قراءة دينية للتأريخ ونهاية الزمان. وفي المقابل، تتصاعد داخل إسرائيل قوى دينية وقومية تستحضر النصوص والمفاهيم التوراتية في خطابها السياسي تُجاه الأرض والحرب والفلسطينيين.
وحين تلتقي القراءتان، لا نكون أمام تحالف مصالح فقط، بل أمام تداخل بالغ الخطورة بين الدين والسياسة والقوة.
وهنا يجب أن نكون دقيقين: الحديث ليس عن المسيحية، ولا عن اليهودية، ولا عن المؤمنين من أتباعهما، وإنما عن تسييس الدين وتحويل النبوءة إلى مشروع سياسي.
فالإيمان شأن إنساني نبيل، لكن الكارثة تبدأ عندما يعتقد السياسي أن تفسيره الخاص لإرادة الله يمنحه تفويضًا لخوض الحرب، من يعتقد أنه ينفذ أمرًا إلهيًا لا يخضع بالضرورة لمنطق الردع التقليدي؛ ومن يرى الدمار مرحلة على طريق الخلاص قد لا يتعامل معه بوصفه كارثة؛ ومن يعتقد أن التأريخ يسير حتمًا نحو معركة أخيرة لن ينظر إلى التسوية باعتبارها نجاحًا سياسيًا، بل ربما يراها تعطيلًا للنبوءة التي ينتظرها، وهنا تنهار السياسة. فكيف تفاوض من يرى التسوية اعتراضًا على إرادة السماء؟ وكيف تردع من يرى الحرب واجبًا مقدسًا؟ وكيف تحمي العالم إذا أصبح الخراب، في مخيلة بعض المتطرفين، مقدمة للخلاص؟.
لقد عرف التأريخ هذه العقلية من قبل، ودفع ثمنها ملايين البشر، لكن الفارق المرعب أننا لم نعد نعيش في عصر السيوف والخيول.
نحن نعيش في عصر الرؤوس النووية والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة والأسلحة التي تستطيع اتخاذ قرارات متزايدة التعقيد بسرعات تفوق قدرة الإنسان.
ولهذا يصبح اجتماع التطرف الديني والقوة العسكرية والتكنولوجيا المتقدمة، واحدًا من أخطر الاحتمالات التي يمكن أن تواجه الحضارة الإنسانية، والمفارقة الصارخة هي ازدواجية المعايير، هذه الحقيقة ينبغي أن تُقال بوضوح.
فالإنسان الذي يريد قتل الآخرين باسم الله يمثل خطرًا بصرف النظر عن اسم الإله في خطابه، أو الكتاب الذي يستشهد به، أو العلم الذي يقف خلفه.
والمشكلة بالنسبة إلينا في العالم العربي أننا كثيرًا ما نقرأ السياسة الأمريكية والإسرائيلية من خلال الأدوات التقليدية وحدها: المصالح، النفط، السلاح، الانتخابات، اللوبيات، الممرات البحرية، إيران، الصين وروسيا.. لكننا لا نقرأ بما يكفي الأفكار التي تسكن عقول بعض صانعي السياسة ومؤيديهم، وهذا خطأ استراتيجي. فالسياسة لا تصنعها المصالح وحدها، يصنعها أيضًا تصور الإنسان للعالم ولذاته ولعدوه وللتأريخ. وقد تكون الفكرة أخطر من الصاروخ، لأن الصاروخ لا يقرر أين يسقط؛ الإنسان الذي يؤمن بالفكرة هو الذي يضغط الزر.
وفي الوقت نفسه تدخل البشرية مرحلة أخرى لا تقل خطورة: الثورة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك فإن السؤال الحقيقي أكثر رعبًا من الخيال نفسه: ماذا لو اجتمعت يومًا التكنولوجيا التي تفوق الإنسان مع الإنسان الذي يعتقد أنه مكلف بتنفيذ إرادة السماء؟
هنا يصبح الأمر شأنًا عالميًا. ولهذا فإن العرب والمسلمين بحاجة إلى قراءة أعمق لما يجري. لا يكفي أن نعرف عدد الطائرات التي تمتلكها إسرائيل، ولا حجم الموازنة العسكرية الأمريكية، ولا مدى الصواريخ.
يجب أن نعرف أيضًا ماذا يقرأ أصحاب القرار، وما الأفكار التي تحرك قواعدهم الانتخابية، وما مكانة الدين في رؤيتهم للعالم، وأين تنتهي المصلحة السياسية وتبدأ العقيدة.
إن معرفة عقيدة الخصم قد تكون أحيانًا بأهمية معرفة ترسانته العسكرية، لكن ثمة تحذيرًا آخر لا يقل أهمية، الرد على التطرف الديني الغربي أو الإسرائيلي لا ينبغي أن يكون تطرفًا إسلاميًا مضادًا.
فإذا دخلنا جميعًا ساحة «الحرب المقدسة»، خسر العقلاء وانتصر المتطرفون على الجانبين. ليس المطلوب حرب أديان. المطلوب تحديدًا هو منع حرب الأديان.
والمطلوب استعادة السياسة من قبضة الذين يريدون تحويلها إلى امتداد للنبوءات، وإعادة الصراعات إلى أرض البشر: القانون الدولي، والحقوق، والمصالح، والتفاوض، والعدالة، وكرامة الإنسان.. فالأرض ليست مختبرًا لتحقيق نبوءات أحد. والشعوب ليست وقودًا لانتظار نهاية الزمان. والأطفال الذين يموتون في الحروب ليسوا أرقامًا في سيناريو ديني كتبه أو فسّره بشر قبل قرون، فكل من ادعى امتلاك تفويض مطلق من السماء يصبح من الصعب أن تحاسبه قوانين الأرض.



