اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

المصارف تعجز عن نيل ثقة المواطن وتفاقم أزمة السيولة

خلل النظام المالي يدفع باتجاه الاكتناز المنزلي


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..


يواجه القطاع المصرفي العراقي، تحديات متراكمة باتت تهدد قدرته على استقطاب مدخرات المواطنين، في ظل استمرار حالة عدم الثقة بالمصارف المحلية وتفضيل شريحة واسعة من العراقيين الاحتفاظ بأموالهم خارج الجهاز المصرفي، الأمر الذي يسهم في زيادة تداول النقد خارج القنوات الرسمية ويعمّق أزمة السيولة النقدية.
ويرى مراقبون، أن تراجع الثقة بالمصارف العراقية لم يأتِ من فراغ، بل يرتبط بمجموعة من العوامل المالية والإدارية والقانونية التي انعكست بصورة مباشرة على العلاقة بين المواطن والجهاز المصرفي، وفي مقدمتها العقوبات والإجراءات التي تفرض بين حين وآخر على عدد من المصارف العاملة في البلاد، فضلا عن ضعف أنظمة الحوكمة والرقابة وعدم وجود إجراءات رادعة بالشكل الكافي للحد من المخالفات المالية والإدارية.
ويشير المختصون إلى أن ارتفاع كلف بعض الخدمات المصرفية ونسب الفوائد المرتبطة بالقروض، إلى جانب محدودية التسهيلات المقدمة للمواطنين، تشكل عوامل إضافية تدفع باتجاه العزوف عن التعامل المصرفي، خصوصاً في ظل عدم وجود حوافز كافية تجعل المواطن يرى في إيداع أمواله لدى المصارف خياراً أكثر أمناً وفائدة من الاحتفاظ بها نقدا.
كما تواجه المصارف تحدياً آخر يتمثل ببطء مواكبة التطورات التكنولوجية في القطاع المالي، إذ ما تزال عمليات الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية الرقمية دون مستوى الطموح، الأمر الذي يحد من قدرة المصارف على جذب المواطنين وتحويل التعاملات النقدية إلى قنوات مصرفية رسمية.

ويؤكد مراقبون، أن ضعف الشمول المالي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي، إذ إن بقاء كميات كبيرة من الأموال خارج النظام المصرفي يحد من قدرة المؤسسات المالية على توظيف المدخرات في تمويل المشاريع والاستثمارات، ويقلل من فاعلية الأدوات المالية في دعم النشاط الاقتصادي والتنمية المستدامة.
ويفضل عدد من المواطنين، بحسب مختصين، الاحتفاظ بأموالهم في المنازل بدلاً من إيداعها في المصارف، نتيجة المخاوف المتعلقة بقدرة بعض المصارف على الوفاء بالتزاماتها وتمكين العملاء من الوصول إلى أموالهم عند الحاجة، فضلا عن ضعف الثقة بمستوى الإدارة والرقابة في بعض المؤسسات المالية.
وحول هذا الموضوع، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي ضياء المحسن في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “المصارف الحكومية، رغم انتشارها بكثرة، لم تنجح في تقديم منتجات مصرفية وحوافز وتسهيلات قادرة على تغيير سلوك المواطنين وتشجيعهم على الادخار والإيداع، الأمر الذي يجعل جزءاً كبيراً من الكتلة النقدية المتداولة بعيداً عن النظام المصرف والتي تقدر بنسبة 70%”.
وبيّن المحسن، ان “ضعف قرارات البنك المركزي قيدت عمل المصارف الحكومية والأهلية، مشيرا الى ان القروض الممنوحة الى المواطن تنحصر وفق محددات بسيطة كشراء عقار أو سيارة وليس لها دور في تنمية القطاع الصناعي والزراعي والنهوض باقتصاد البلد”.
وأضاف، أن “معالجة أزمة الثقة تحتاج إلى إجراءات تتجاوز الحملات الترويجية للخدمات المصرفية، عبر تعزيز الرقابة والحوكمة، وضمان حماية أموال المودعين، وتطوير الخدمات الرقمية، وتوسيع نطاق الدفع الإلكتروني، فضلا عن تقديم منتجات ادخارية واستثمارية أكثر جاذبية للمواطنين”.
ولفت الى ان “تعزيز الثقة بين المواطن والمصارف يعد خطوة أساسية لتنشيط الدورة الاقتصادية، إذ إن زيادة الإيداعات المصرفية تمنح المؤسسات المالية قدرة أكبر على تمويل القطاعات الإنتاجية والمشاريع الاستثمارية، بدلاً من بقاء الأموال مكتنزة خارج النظام المالي.”

ويضم القطاع المصرفي العراقي، عشرات المصارف الحكومية والأهلية والأجنبية، فيما يبلغ عدد المصارف العاملة في البلاد نحو 78 مصرفا، وتمتلك نحو 891 فرعا في مختلف المحافظات، تشكلت نسبة كبيرة منها بعد عام 2003، بالتزامن مع توسع نشاط البنك المركزي وفتح نافذة بيع العملة، إلا أن اتساع عدد المصارف والفروع لم ينعكس بالقدر الكافي على مستوى الثقة المجتمعية أو حجم الأموال التي تدخل فعلياً إلى الجهاز المصرفي.
وبينما تسعى السلطات المالية إلى تعزيز الشمول المالي وتقليل الاعتماد على النقد، تبقى استعادة ثقة المواطن التحدي الأبرز أمام القطاع المصرفي، في وقت لا يمكن فيه تحقيق انتقال حقيقي نحو اقتصاد أكثر تنظيماً واستقراراً من دون إدخال المدخرات النقدية إلى الدورة المصرفية والاستثمارية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى