اراء

زيارة الرئيس الصيني لمصر.. إعادة تعريف دور القاهرة في نظام عالمي متغير

بقلم: أحمد الدرزي..

في يومي الأول والثاني من أيلول 2026، شهدت القاهرة حدثاً تجاوز كونه مجرد زيارة دولة بين رئيسين، ليكون إعلاناً عن تحولات جيوسياسية عميقة. وصل الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى مصر في زيارة هي الأولى له منذ عقد كامل، تزامنت مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية وتقيم معها علاقات دبلوماسية عام 1956.

هذا التوقيت لم يكن صدفة، بل حمل دلالات عميقة على حجم التحول الدولي، وعلى إدراك القوى الكبرى بأن مصر -رغم قيودها وديونها- لم تفقد قيمتها الحضارية التأريخية ولا أهميتها الجيوسياسية.

مصر.. الثوابت التي لا تزول

مصر المقيدة باتفاقيات كامب ديفيد، ذات المديونية المرتفعة، لم تخسر يوماً قيمتها الحضارية الموغلة في القدم، ولا أهمية موقعها على الخريطة السياسية الدولية. هاتان ثابتتان في مصر لا تزولان بتغير طبيعة الحكم، ولا بمدى تأثيره في محيطه الإقليمي والدولي. فمصر التي كانت ومازالت بوابة أفريقيا إلى آسيا وأوروبا، والتي تحتضن قناة السويس شريان التجارة العالمي، تظل رقماً صعباً في أية معادلة إقليمية، وعاملاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات دولية.

كامب ديفيد بين التطبيع والرهان الخاسر

على الرغم من تطبيع مصر مع “إسرائيل” منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1979، فإن القاهرة أدركت تدريجياً أنها انزلقت إلى مسار على حساب دورها المركزي على المستويين العربي والإفريقي. فالاتفاقية، التي كان من المفترض أن تؤمن لمصر السلام والاستقرار، لم تدفع الأخطار عنها، بل هي في حالة من الأخطار.

ففي حزيران 2026، تصاعد الجدل في مصر حول ما إذا كانت الأنشطة العسكرية الإسرائيلية بالقرب من رفح تغير الترتيبات الأمنية لكامب ديفيد من طرف واحد. وقد أكدت تقارير استخباراتية مصرية، أن القاهرة تدرس حالياً تعديل الاتفاقية بعد تعرّض قواتها لإطلاق نار أكثر من مرة من قبل القوات الإسرائيلية، وأن العودة إلى الاتفاقية القديمة لم يعد ممكناً.

زيارة الصين.. فرصة لإعادة تعريف الدور

في هذا السياق المتأزم، تأتي زيارة الرئيس الصيني لتعيد فتح أسئلة كانت مغلقة حول موقع مصر الذي تريده، وحول إمكانية انسحابها من اتفاقيات كامب ديفيد، أو العمل على ذلك من خلال التوازن في العلاقات. فالبيان المشترك الصادر عن القمة المصرية الصينية حمل 21 بنداً، ركزت على تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ومواءمة رؤية مصر 2030 مع مبادرة الحزام والطريق، وتعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي.

الأرقام تتحدث بوضوح: بحلول نهاية 2025، بلغ حجم الاستثمار الصيني في مصر نحو 12 مليار دولار، مع توقعات بارتفاعه إلى 15 ملياراً بنهاية 2026. وبلغ حجم التجارة الثنائية 20.8 مليار دولار في 2025، بزيادة 19.6% عن العام السابق. واتفق الرئيسان على تعزيز استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري مما يقلل الاعتماد على الدولار ويعزز الاستقلال المالي المصري.

التوازن في العلاقات.. حلف مكة أنموذجاً

هل تستطيع مصر العمل على الانسحاب من كامب ديفيد من خلال التوازن في العلاقات، كما حصل في حلف مكة وعدم دخولها به؟ الإجابة تكمن في قدرة القاهرة على إدارة تناقضاتها. فمصر تتحرك اليوم في فضاء متعدد الأقطاب، تحافظ على علاقاتها مع واشنطن (التي تقدم لها مساعدات سنوية تقدر بنحو 1.3 مليار دولار)، بينما تعمق شراكتها مع الصين وروسيا، وتنسق مع تركيا وإيران في الملفات الإقليمية. هذا التموضع المتوازن يمنح القاهرة هامشاً للمناورة، ويقلل من كلفة أية مواجهة مع واشنطن.

غير أن السؤال الأصعب: هل تتحمل مصر الغضب الأمريكي في حال قررت خطوة جريئة نحو تعديل جذري في علاقتها مع “إسرائيل”؟ الإشارات تشير إلى أن واشنطن، المنشغلة بحربها المتعثرة في الخليج وعجزها عن استعادة مضيق هرمز، لم تعد تملك الرفاهية لفرض إرادتها على حلفائها كما كانت تفعل.

الصين وإدراك الجمع بين المتناقضات

السؤال الأعمق: هل يمكن للصين أن تخرج من سياسات عقلها الاستراتيجي، وتدرك أن الجمع بين المتناقضات (التعامل مع “إسرائيل” في مواجهة شعوب وقوى غرب آسيا) قد يصبح عبئاً استراتيجياً عليها؟ الصين، التي تتعامل مع جميع أطراف المنطقة ببراغماتية، تدرك أن استقرار غرب آسيا لا يمكن أن يقوم على استمرار المشروع الصهيوني التوسعي. لذلك، فإن تعزيز الشراكة مع مصر -الدولة المركزية في المنطقة- هو استثمار في مستقبل يختلف عن الماضي، مستقبل تقوم فيه القاهرة بدورها الطبيعي كحارس للتوازن الإقليمي، بعيداً عن قيود كامب ديفيد.

الخلاصة.. أسئلة مفتوحة في زمن التحول

العالم أمام واقع جديد يفرض على الولايات المتحدة الاعتراف بنهاية النظام أحادي القطب، والانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب. وفي هذا الواقع الجديد، قد تكون مصر -بثوابتها الحضارية والجغرافية- أحد اللاعبين الأساسيين في إعادة تشكيل المنطقة. ولكن ذلك يتطلب شجاعة في اتخاذ القرارات، وحكمة في إدارة التحالفات، وقدرة على تحمل تبعات الخروج من قمقم كامب ديفيد. فهل تمتلك القاهرة هذه الإرادة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى