نهاية زمن الاغتيالات بلا ثمن.. إعادة صياغة الردع في غرب آسيا

بقلم: غفور كريمي..
أظهرت التطورات الأخيرة مرة أخرى أن الولايات المتحدة وإسرائيل، بالاعتماد على تواطؤ بعض حكومات المنطقة والدعم الخفي من أطراف متحالفة، لا تزالان تُقدّمان منطق الإقصاء والضغط والتدخل على أي التزام حقوقي أو سياسي. ومن وجهة نظر الأوساط الحقوقية والمفكرين المستقلين والرأي العام، فإن اغتيال القائد المعظم، الشهيد الفقيد السيد علي خامنئي (رحمه الله)، باعتباره يمثل أعلى سلطة قيادية، إلى جانب كوكبة من كبار القادة العسكريين والشخصيات السياسية والأمنية والعلماء البارزين في إيران، هو عمل مدان ومرفوض، ويُعدّ مصداقاً صارخاً لانتهاك السيادة الوطنية للدول وخروجاً على المبادئ الأساسية للقانون الدولي.
إن اغتيال الشخصيات السياسية والعسكرية والأمنية في الدول المستقلة، بغض النظر عن الخطاب المستخدم لتبريره، هو في جوهره استخدام للعنف المنظم لتحقيق أهداف سياسية.
ومع ذلك، فإن ما يجعل هذه المسألة أكثر تعقيداً وحساسية أمام الرأي العام العالمي هو كيفية تبرير هذه الأعمال في الخطاب الغربي الرسمي؛ حيث لا تُصنف هذه الأفعال كإرهاب، بل يُعاد تعريفها تحت مسميات “الدفاع الاستباقي” أو “حماية الأمن” أو “مواجهة التهديدات”. في المقابل، تقوم الجهات نفسها بوصف أي رد فعل حازم أو رادع يصدر عن الطرف الإيراني بأنه تهديد أو زعزعة للاستقرار. وفي هذا الإطار، جاءت مواقف وبيانات القيادة الجديدة للثورة، متمثلة في سماحة آية الله السيد مجتبى خامنئي (مد ظله العالي) بتأكيده: “نعهد بأن ننتقم لدمائكم الطاهرة ودماء جميع شهداء هاتين الحربين من القتلة المجرمين وعديمي الشرف. هذا الانتقام هو مطلب شعبنا ويجب أن يتحقق حتماً. هؤلاء المجرمون، الذين توجد قائمة بهم من الرأس حتى القاعدة، سيأخذون معهم إلى القبر أمنية الموت الهادئ في الفراش. عليهم أن يعلموا أن هذا الأمر لا يتوقف على وجود شخصي أو وجود سائر المسؤولين. سواء كنا موجودين أم لا، فإن هذا الأمر سيتحقق، وقريباً سيقوم أفراد من الأحرار في جميع أنحاء العالم بتنفيذ جزء من هذه المهمة الإلهية”؛ هذه المواقف، في نظر الشعوب والمفكرين، ليست مجرد رد فعل عاطفي أو سياسي، بل هي جزء لا يتجزأ من منطق الردع، والدفاع عن الهيبة الوطنية، وتكريم دماء الشهداء، وإيصال رسالة واضحة بأن تكلفة الأعمال العدائية لا يمكن أن تبقى صفراً بالنسبة لمرتكبيها. إن رد الفعل المتسرع والدعائي لنظام الهيمنة تجاه هذه المواقف يكشف، قبل أي شيء آخر، عن هلعهم من تغير موازين القوى النفسية والسياسية التي باتت تعمل ضدهم.
ولا يقتصر هذا السلوك المزدوج على المجال الأمني والعسكري، بل يمتد بوضوح إلى ميدان الاتفاقيات السياسية والدبلوماسية. ومن أبرز الأمثلة نقض العهود واللامبالاة بالاتفاقيات التي استنزفت الكثير من الوقت والجهد والتكاليف السياسية، وكان يُؤمل أن تؤسس لاستقرار نسبي في المنطقة. إن انخراط إيران في تلك الاتفاقيات لم يكن من قبيل التفاؤل المطلق، بل كان بهدف إثبات حقيقة أن الولايات المتحدة شريك غير موثوق ومتقلب. وقد أثبتت التطورات اللاحقة صحة هذا التقدير؛ فقد تخلت واشنطن عن التزاماتها واستمرت في سياسات الضغط والتهديد والعدوان. وبذلك، تأكد أن الولايات المتحدة، حتى في الاتفاقيات التي كانت طرفاً في صياغتها، لا تشعر بأي إلزام أخلاقي أو عملي إذا تعارضت مع مصالحها اللحظية.
إن استمرار التوترات ليس نتاج خلافات عرضية، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لفرض إملاءات أحادية الجانب وغير قانونية. لقد وُظفت الضغوط الاقتصادية والتهديدات الأمنية والعمليات السرية والإعلام لفرض نظام تكون فيه رغبات واشنطن وحلفائها المعيار الوحيد للقرار. لكن التجربة أثبتت أن استبدال الحوار بالضغط، والتضحية بالالتزامات الدولية على مذبح القوة، لم يزد المنطقة إلا اضطراباً وانعداماً للثقة. لذا، فإن نقد السلوك الأمريكي ليس مجرد موقف سياسي، بل هو تبيان لكيفية تقويض “النقض الهيكلي للعهود” من قبل قوة عالمية لأسس أي تفاهم دولي مستدام.
ومن ناحية أخرى، يجب قراءة الردود الصريحة والتحذيرية في سياق منطق الردع والدفاع عن المصالح الوطنية. فعندما يتعرض مجتمع ما لعمليات اغتيال وحصار وتهديد ونقض للعهود، فمن الطبيعي أن تتحول لغته السياسية من الدفاع السلبي إلى لغة صريحة ورادعة. إن هذه المواقف ترسل رسالة مُفادها أن زمن “الأعمال الأحادية غير المكلفة” قد ولى، وأن كل عدوان سيكون له ثمن سياسي وأمني وتأريخي باهظ.
وفي هذا الإطار، تتجلى أهمية المصالح الوطنية الإيرانية، حيث لا تقتصر على التصريحات السياسية، بل تتصل بعمق بالجغرافيا الأمنية للبلاد، وفي مقدمتها مضيق هرمز الاستراتيجي؛ الممر الذي لا يخص إيران فحسب، بل هو عصب الاقتصاد وأمن الطاقة العالمي. إن سيادة إيران على هذا المضيق هي جزء لا يتجزأ من عقيدتها الدفاعية والردعية، ولا يمكن فصلها عن التضحيات الجسيمة التي قُدمت لتثبيت هذا الموقع. لذا، فإن أي محاولة لتجاهل دور إيران في هذه المعادلة ليست غبية سياسياً فحسب، بل هي وصفة لتفجير المنطقة.
وخلاصة القول، إن القضية ليست نزاعاً سياسياً عابراً، بل هي معركة حول مفاهيم العدالة والالتزام والسيادة. ما دامت الاغتيالات والضغوط وانتهاك العهود تُدان أو تُبرر بناءً على هوية الفاعل، فإن الحديث عن “نظام دولي عادل” سيظل مجرد أوهام. إن القانون والاستقرار لا يستقيمان إلا إذا طبقا على الجميع بالتساوي. لذا، فإن نقد سياسات واشنطن وتل أبيب هو دفاع عن المبادئ الإنسانية العالمية. وفي غياب هذا العدل، يظل النظام الدولي مسرحاً للقوة التي تحل محل الحق، وللمواثيق التي تتحول إلى أدوات للمساومة. وبلا شك، فإن اللغة الوحيدة المفهومة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل في عالم اليوم هي لغة القوة والنار؛ وهي اللغة التي باتت إيران تتحدث بها بطلاقة.



