اراء

زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة.. تساؤلات مهمة

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي..


ليست المشكلة في أن يزور مسؤول عراقي الولايات المتحدة لكن أمريكا اليوم هي مشكلة العالم الأكير بذاتها , برئيسها المتباهي بالإجرام ونظامها الطاغوتي المتمرد على القوانين الدولية ، فالعراق دولة لها مصالح وعلاقات مع مختلف دول العالم ولا غرابة في أن يلتقي المسؤولون العراقيون بنظرائهم الأمريكيين . لكن المشكلة تبدأ عندما ننسلخ بالتمام والكمال من الواقع المفروض والمرفوض وتتحول الزيارة إلى مساحة تتراكم فيها الأسئلة بينما تتراجع الإجابات ويُصبح الصمت هو اللغة الأكثر حضورا . لقد جاءت زيارة الزيدي في توقيت بالغ الحساسية والمنطقة بأكملها تعيش على إيقاع تصعيد غير مسبوق في العدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تم تشييع قائدها الكبير الشهيد السيد علي الخامنئي على ملايين الأكتاف في العراق ،وفي الوقت الذي كانت فيه طبول الحرب تُقرع في المنطقة الى ما يقارب إعلان الحرب الشاملة جاءت زيارة الزيدي لترتقي بعلاقة بغداد مع واشنطن إلى مستوى (الشراكة الشاملة). هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله : هل استطاع الزيدي أن يحتوي هذه المتناقضات سياسيا ولغويا أم أنه اكتفى بإدارة المشهد عبر لغة الجسد والابتسامات تاركا الملفات الشائكة بلا إجابات واضحة ؟ أخطر ما أثير خلال الزيارة لم يكن اتفاقا اقتصاديا ولا تصريحا دبلوماسيا بل ذلك السؤال المُحرج الذي وجّهه الرئيس الأمريكي إلى رئيس الوزراء علي الزيدي عن رأيه بشأن عملية اغتيال الشهدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وهما شخصيتان تُكِنُّ لهما الطائفة الأكبر في العراق وفي إيران كل مهابة ووقار واحترام . وبغض النظر عن اختلاف المواقف بين الجانبين فإن مجرد طرح هذا السؤال أمام مسؤول عراقي يحمل دلالات من الوقاحة السياسية أثارت نقاشا واسعا لأنه يتصل بجريمة وقعت على الأراضي العراقية وأثرت في المشهد السياسي والأمني . أما إجابة الزيدي والتي فُهم منها أنه لم يكن يهتم بالسياسة حينها ولا يريد العودة إلى الماضي أو الخوض في هذا الملف فقد أثارت بدورها تساؤلات وانتقادات من أطراف سياسية وشعبية وإعلامية مختلفة . السؤال يُصبح مشروعا عن موقف الإطار والحشد والبرلمان من سؤال ترامب وإجابة الزيدي في ملف لا يزال حاضرا بقوة في الذاكرة السياسية العراقية ،إن القوى العراقية التي طالما رفعت شعار السيادة ورفض الوجود الأمريكي مُطالَبة اليوم بتوضيح موقفها ، هل تغيّر الموقف ؟ أم أن الحسابات السياسية وطبيعة شخصية ترامب المضطربة فرضت خطابا أكثر هدوءا ؟ إن من حقنا ومن حق الرأي العام أن يسمع مواقف واضحة سواء بالتأييد أو بالاعتراض بعيدا عن الانتقائية . الملفات الاقتصادية تبدو أشد خطورة من الملفات السياسية . فقد أُثير الحديث عن تخصيص 500 ألف برميل يوميا من النفط العراقي الى أمريكا في إطار تفاهمات مرتبطة بتوسيع استثمارات الشركات الأمريكية في مجالات الصناعة والكهرباء والصحة والتعليم . لكن التجربة الممتدة منذ عام 2003 تجعل من حق العراقيين أن يسألوا ماذا حققت أمريكا للعراق في عقدين من الزمان ؟ هل كان العراق خلال العقدين الماضيين يمتلك حرية كاملة في اختيار شركائه الاقتصاديين من مختلف دول العالم دون موافقة وشروط أمريكا ؟ المفارقة التي يصعب تجاهلها أن العلاقات العراقية الأمريكية تتحدث اليوم عن شراكة شاملة في وقت تشهد فيه المنطقة توترات عسكرية غير مسبوقة مع الجارة إيران الى مستوى الحرب الشاملة وهذه المفارقة تفرض على صانع القرار العراقي مسؤولية مضاعفة في توضيح كيف يمكن التوفيق بين متطلبات المصالح الوطنية وحساسية البيئة الإقليمية ومواقف القوى السياسية المختلفة داخل البلاد . السؤال الأهم ما هو موقف الأصوات التي كانت تصف نفسها بالوطنية؟ أين هو موقف الكتّاب والمحللين والسياسيين والإعلاميين الذين اعتادوا إصدار البيانات والخطابات في كل محطة مشابهة ؟ هل تغيرت المعايير؟أم أن لغة المصالح أصبحت أعلى من لغة الثوابت والمبادئ ؟ لسنا هنا بصدد الدعوة إلى القطيعة مع الولايات المتحدة، فالعراق يحتاج إلى علاقات متوازنة تحفظ مصالحه وسيادته مع جميع الدول . لكن هذه العلاقات ينبغي أن تقوم على الشفافية والوضوح واحترام الإرادة الوطنية وأن تكون قابلة للنقاش والمساءلة لا أن تتحول إلى ملفات مؤطرة بالسرِّية لا يجوز الاقتراب منها . هل يبقى الصمت سيد المشهد ونفتح المجال للتأويل والشكوك والانقسام أم أن هناك طمأنينة في القلوب بأن كل قرار يُتخذ إنما ينطلق من المصلحة الوطنية لا من ضغوط اللحظة أو حسابات السياسة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى