اراء

هل ينجح العدو الصهيوني في استدراج حزب الله إلى الحرب مجدداً؟

بقلم: كريستينا شطح..

يشهد الشرق الأوسط موجة جديدة من التصعيد العسكري مع تجدد الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية الصراع حول أمن الملاحة ومضيق هرمز، بالتزامن مع اتساع رقعة المواجهة في اليمن بعد استهداف مطار صنعاء ومنع هبوط طائرة إيرانية، وما أعقبه من رد حوثي باستهداف مطار أبْها السعودي. وبين هذين التطورين، عاد السؤال الذي يتكرر مع كل أزمة إقليمية: هل يتدخل حزب الله عسكرياً لإسناد إيران كما فعل في مراحل سابقة، أم أن حسابات المرحلة الحالية تختلف جذرياً؟

الإجابة لا ترتبط فقط بطبيعة العلاقة بين الحزب وطهران، بل تتصل أيضاً بالتحولات التي شهدها الإقليم خلال العامين الماضيين، وبالكلفة التي دفعتها مختلف أطراف “محور المقاومة”، وبالتغير الذي طرأ على البيئة اللبنانية والإسرائيلية والدولية. لذلك، فإن قراءة المشهد من زاوية ردود الفعل الآنية قد تقود إلى استنتاجات متسرعة، فيما تشير المؤشرات الاستراتيجية إلى صورة أكثر تعقيداً.

العامل الثاني يتعلق بطبيعة المواجهة الأمريكية – الإيرانية نفسها. فرغم الضربات المتبادلة وارتفاع منسوب التوتر، لا تبدو الأزمة حتى الآن حرباً وجودية تستهدف إسقاط النظام الإيراني، بل أقرب إلى مواجهة تهدف إلى تعديل قواعد الاشتباك وتحسين شروط التفاوض عبر استخدام القوة العسكرية بصورة محدودة. ففي العلاقات الدولية كثيراً ما تتحول الضربات العسكرية إلى رسائل سياسية أكثر منها مقدمة لحرب شاملة، وهو ما يدفع طهران عادة إلى اعتماد ردود محسوبة تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا ترغب بها جميع الأطراف.

أما في اليمن، فإن جماعة أنصار الله تمتلك اليوم قدرة مستقلة نسبياً على إدارة المواجهة مع السعودية والولايات المتحدة. فقد راكم الحوثيون خلال السنوات الماضية خبرة كبيرة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأصبحوا قادرين على تنفيذ عملياتهم ضمن حساباتهم الخاصة، وإنْ كانت منسجمة سياسياً مع إيران. لذلك، لا تبدو طهران بحاجة إلى إشراك الساحة اللبنانية في كل تصعيد يقع على الجبهة اليمنية، خصوصاً أن تعدد الجبهات يمنحها مرونة أكبر في توزيع الضغوط على خصومها.

وتبرز هنا استراتيجية إيرانية تقوم على ما يمكن تسميته “اقتصاد القوة”. فإيران لا تستخدم جميع أوراقها دفعة واحدة، بل تحاول الحفاظ على أهم عناصر الردع لديها لاستخدامها عند الضرورة القصوى. ويحتل حزب الله موقعاً محورياً في هذه المعادلة، ليس لأنه مجرد حليف، بل لأنه يمثل بالنسبة إلى طهران أهم قوة ردع متقدمة في مواجهة إسرائيل. ومن هذا المنطلق، فإن استنزاف قدراته في مواجهة محدودة لا تمس وجود النظام الإيراني قد لا ينسجم مع الحسابات الاستراتيجية الإيرانية.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال البعد الإسرائيلي في المشهد. فمن المحتمل أن ترى إسرائيل في التصعيد الأمريكي – الإيراني فرصة لاستدراج حزب الله إلى مواجهة جديدة تعيد خلط الأوراق، وتمنحها مبرراً لإسقاط التفاهمات القائمة، أو تحميل الحزب مسؤولية انهيارها، واستئناف عملياتها العسكرية على نطاق أوسع. ومن هذه الزاوية، قد لا يكون ضبط النفس الذي يبديه الحزب تعبيراً عن ضعف أو تردد، بل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى حرمان إسرائيل من الذريعة التي قد تبحث عنها لتوسيع الحرب وإعادة رسم قواعد الاشتباك في جنوب لبنان.

وفي المقابل، لا يعني انخفاض احتمال التدخل أن الحزب سيقف موقف المتفرج إذا تطورت الأزمة. فمن المرجح أن يرفع مستوى الجهوزية العسكرية، ويكثف إجراءاته الأمنية والاستخبارية، وربما يلوّح بخيارات ردعية محدودة إذا تعرضت إيران أو الحزب نفسه لضربات نوعية. كما قد يقدم دعماً لوجستياً أو معلوماتياً لحلفائه ضمن ما يسمح به هامش التصعيد المدروس، من دون أن يتحول ذلك إلى حرب مفتوحة على الجبهة اللبنانية.

وهكذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يتدخل حزب الله لإسناد إيران؟ بل أصبح: هل تستطيع إسرائيل استدراجه إلى الحرب قبل أن تنجح واشنطن في تثبيت اتفاق الإطار؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ترسم إلى حد بعيد شكل المرحلة المقبلة، لأن مستقبل الجبهة اللبنانية لن تحدده رغبة طرف واحد، بل توازن دقيق بين الردع الإيراني، والحسابات الإسرائيلية، والدور الأمريكي الساعي إلى منع انهيار التفاهمات التي رعاها، ولو كان ذلك في قلب صراع إقليمي مفتوح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى