رغم التصعيد المتكرر.. لماذا تفضل واشنطن إدارة الحرب مع إيران بدلاً من حسمها؟

د. مهدي مبارك عبد الله..
منذ عقود طويلة ظلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران محكومة بمعادلة شديدة التعقيد تقوم على العداء المعلن والاشتباك غير المباشر وسط الحسابات الدقيقة التي تمنع الطرفين من الانزلاق إلى مواجهة شاملة ورغم أن العقود الماضية شهدت أزمات كبرى وعمليات عسكرية واغتيالات وضغوطا اقتصادية غير مسبوقة فإن واشنطن وطهران بقيتا تدركان أن الحرب المفتوحة بينهما ليست مجرد مواجهة بين جيشين بل بمثابة زلزال إقليمي ودولي قد يصعب التحكم بمساره ونتائجه.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا تصعّد الولايات المتحدة عملياتها العسكرية المباشرة ضد إيران وإنما لماذا تتوقف في كل مرحلة عند حدود معينة رغم امتلاكها تفوقا عسكريا هائلا ولماذا تستخدم قدرا معينا للقوة ثم تعود إلى التفاوض بدلا من السعي إلى حسم عسكري كامل.
الإجابة تكمُنُ في حقيقة استراتيجية أعمق وهي أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الحرب الشاملة باعتبارها الطريق الأقصر لتحقيق أهدافها بعدما باتت تجد أن كلفة إسقاط إيران أو إخضاعها عسكريا قد تكون أكبر من المكاسب المتوقعة خاصة أن التجارب الأمريكية في العراق وأفغانستان تركت دروسا قاسية حول الفرق بين تحقيق انتصار عسكري سريع وبين القدرة على إدارة تداعيات ما بعد الحرب.
عمليا وواقعيا إيران ليست دولة يمكن التعامل معها كما حدث مع دول أخرى في المنطقة فهي تمتلك جغرافيا شاسعة ومعقدة وعدد سكان كثيفا وقدرات صاروخية واسعة وشبكة نفوذ إقليمية تمتد بدرجات مختلفة إلى ساحات متعددة ولذلك فإن أي حرب مفتوحة لن تبقى داخل الحدود الإيرانية بل قد تتحول إلى مواجهة واسعة تشمل الخليج والعراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر وتهدد كامل المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
من هنا قد تبدو الاستراتيجية الأمريكية الحالية أقرب إلى مفهوم إدارة الصراع وليس حسم الصراع لأن واشنطن تريد إبقاء الضغط على طهران مرتفعا لكنها لا في الوقت نفسه تريد دفعها إلى استخدام كل أوراقها دفعة واحدة وهي تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية عبر القوة العسكرية المحدودة بدلا من الدخول في حرب طويلة لا يعرف أحد أين وكيف تنتهي.
ما يجري على الارض ليس غيابا للرغبة الأمريكية في استخدام القوة بل إعادة تعريف لوظيفتها حيث أصبحت الضربات العسكرية المتتالية كأنها أداة تفاوض ورسالة ردع أكثر من كونها مقدمة لغزو واسع وكل صاروخ يطلق يحمل في الوقت نفسه رسالة عسكرية ورسالة سياسية مُفادها أن الولايات المتحدة قادرة على رفع كلفة المواجهة لكنها مستعدة أيضا للبحث عن تسوية إذا تغيرت حسابات الطرف الآخر.
المشكلة بالنسبة للولايات المتحدة ليست فقط في القدرة على توجيه ضربات مؤلمة لإيران بل في اليوم التالي لتلك الضربات ماذا بعد تدمير مواقع عسكرية أو منشآت استراتيجية وهل هناك خطة سياسية واضحة او استعداد كاف لتحمل تبعات انهيار محتمل أو وقوع فوضى شاملة داخل إيران وهل تستطيع واشنطن فعلا منع القوى الإقليمية والدولية من استثمار الفراغ الناتج عن حرب طويلة.
مضيق هرمز العقدة الكأداء الذي يبرز في قلب هذه المعادلة باعتباره أحد أهم عناصر الضغط المتبادل فهذا الممر البحري ليس مجرد موقع جغرافي بل شريان اقتصادي عالمي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة الى كثير من الدول وأي تعطيل طويل لحركته لن يكون ضربة لإيران أو الخليج فقط بل سيصيب الاقتصاد العالمي بأكمله ويرفع أسعار الطاقة ويزيد التضخم ويضع ضغوطا سياسية داخلية على الإدارة الأمريكية ولهذا فإن واشنطن لا تريد حربا تؤدي إلى إغلاق المضيق لأنها تعرف أن معركة هرمز قد تتحول من ورقة ضغط على إيران إلى أزمة عالمية تدفع الجميع نحو خيارات أكثر صعوبة وخطورة.
الولايات المتحدة اليوم أصبحت لا تبحث عن انتصار عسكري كامل على إيران بقدر ما تبحث عن إعادة تشكيل سلوكها الإقليمي وإجبارها على الدخول في ترتيبات جديدة حول ملفات النووي والأمن الإقليمي والملاحة والطاقة وهي ترى أن الضغط المتدرج قد يحقق ما لا تستطيع الحرب تحقيقه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه أمام القارئ بعد متابعة مسار المواجهة هل لو كانت الولايات المتحدة قادرة فعلا على تحقيق نصر حاسم وقاسم على إيران كانت ستختار إدارة الحرب بهذه الطريقة بدلا من إنهائها وهنا تكمن الحقيقة التي قد تكون أكثر تعقيدا من مجرد الحديث عن رغبة واشنطن في تجنب الحرب خاصة أن المسألة ليست أن الولايات المتحدة لا تملك القدرة على إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بإيران بل إن التحدي الأكبر يكمن في عجزها الفعلي عن ضمان تحقيق النصر الكامل الذي يحول القوة العسكرية إلى مكسب سياسي واستراتيجي دائم.
ختاما: ربما يكون أخطر ما في هذه المواجهة أنها ليست حربا يريدها الطرفان بالكامل ولا سلاما يستطيعان الوصول إليه بسهولة بعدما أصبحت حالة طويلة من الصراع المنضبط حيث يستخدم الجميع أدوات الضغط بينما يبحثون في الوقت نفسه عن مخرج يحفظ المصالح ويمنع الانفجار الكبير وبينما تستمر طهران في اختبار حدود القوة الأمريكية تستمر واشنطن كذلك في اختبار قدرة إيران على الصمود وفي المسافة بين الاختبارين يبقى الشرق الأوسط واقفا على حافة انتظار تأريخية قد تحمل تسوية كبرى أو انفجارا لا يستطيع أحد تقدير نتائجه أو مداه .



