تشييع الإمام الخامنئي (قدس سره) في العراق انبعاث للروح الثورية

بقلم/ د. محمد صادق الهاشمي..
العدو الأمريكي، ومنذ أن احتل العراق، يحاول جاهدًا، من خلال عشرات بل مئات المنظمات، فضلًا عن حركته الإعلامية، أن يركز على فصل الشيعة في العراق عن المنهج الثوري؛ لتحويل الأمة العراقية إلى كتلة بشرية لا تؤمن بالمقاومة، ومفرغة من عقيدتها، لترفع راية الاستسلام إلى العدو تحت ضغط الحروب والمؤامرات والضخ الإعلامي. وتجسد ذلك من خلال مهاجمة إيران الثورة إعلاميًا، ومهاجمة المنهج والأهداف والمسيرة للخط الثوري، إلا أن التشييع المليوني الذي شهده العراق، وتدفق الجماهير العراقية في ظروف الحر القاسية من مختلف المحافظات، ومبيتهم في الشوارع، وانتظارهم ساعات وأياما تحت رحمة الشمس، والانشداد الكبير إلى الجثمان الذي حملته أكف العراقيين، والشعارات التي قيلت، والأعلام والصور والهتافات، تدل بنحو واضح على أن الشعب العراقي شخَّصَ عدوه، وعرف أن أمريكا تريد استباحة دماء الشيعة، وتدمير قيادتهم، وسفك دمائهم، وتكرار جرائم الإبادة التي ارتكبتها في غزة.
من هنا ظهرت الروح الثورية الصادقة الحسينية في موقف وتوجه الشيعة في العراق، وهذا ما أشار إليه الإمام السيد مجتبى الخامنئي بقوله: ((كما يجدر، في هذه المناسبة، أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى عشرات الملايين من الناس الذين سجلوا حضورًا مذهلًا، كاسرًا للأعداء، وتأريخيًا، في مدن إيران والعراق وقراهما، ولا سيما في طهران وقم والنجف وكربلاء ومشهد.))
وأضاف: ((شعبنا ينادي بالثأر لدماء الحسين (ع)؛ فلقد قدم هذا الشعب العظيم، على مدى السنين، أبناءه فداءً في سبيل الحسين (ع)، وفي الحرب ضد أعداء الحسين والغيرة الحسينية، وهو يطالب اليوم أيضًا بالثأر لدمائه ولدماء حسينيِّي هذا الزمان)).
وبهذا تتجسد الحقيقة بأن الشعب العراقي ثوري بالأصل عبر التأريخ، ويشهد له التأريخ والمواقف والجهاد والثورات. هذا الشعب أعيدت له روح ثورية جديدة عميقة، نابعة من كربلاء، وتجددت من خلال نهضة الإمام الخميني ومسيرة الإمام الخامنئي، وعيًا ونهضة وعطاءً وثباتًا وتطلعًا نحو غد مشرق، لا يكون فيه الشيعة هملًا، وأن لا تتكرر سحق كرامتهم وحقوقهم.
وتتضح حقيقة هي أن الجماهير التي خرجت إلى التشييع إنما انطلقت من المخزون الثوري الكبير، ومن عميق الفهم للتحديات التي يواجهها وواجهها الشيعة على امتداد التأريخ، فهم بخروجهم إنما أعلنوا رفض الظلم والاستعباد والقهر والإذلال من كل طاغية سفك دم الشعب العراقي، وإن أقرب التحليل وأكثره واقعية هو أن الشعب العراقي وجد في تشييع جثمان الإمام الخامنئي عظمة التعبير عن مكنوناته الثورية في الدفاع عن مصالح الشيعة، ودفع الأخطار عنهم، وإيقاف نزيف الدماء، وإطفاء الغضب التأريخي من حقب الجور والظلم التي عانى منها الشعب العراقي.
نعم، في التشييع أعلن الشعب عن ثوريته، وأفرغ شحنته وألمه المكنون من ظلم الأمريكان والغرب والعرب، وسلب السيادة، والتحكم بمصيرهم، وهذا الذي جعلنا نختار العنوان: انبعاث الروح الثورية؛ لأن التكوين النفسي للشخصية العراقية تستبطن الروح الثورية والشجاعة والكرم والأصالة، ونجدها تتألق بوجود القائد وعند الشدائد.
ومن يبحث في تأريخ الشعب العراقي يجده سلسلة من البطولات والملاحم والانتفاضات والمواقف الملحمية بوجه الطغيان والاستكبار، وأنه شعب حسيني بكل معاني الكلمة، وأنه حافظ على الروح الثورية، مع أنه تعرض إلى كل أنواع الاضطهاد والتذويب والقهر ومحاولات سلب الإرادة، إلا أنه يُثبت حيويته وقوته وقدرته في أحلك الظروف، وليس أدل على ذلك من موقفه في ثورة العشرين، وقبلها وبعدها، وموقفه في مواجهة العدو الداعشي الصهيوني.
هذه هي الروح الثورية الساكنة في أعماقه، تفجرت يوم تشييع الإمام الخامنئي “قدس سره” في العراق، فكان التشييع المليوني انبعاثًا للروح الثورية في المجتمع الشيعي العراقي.



