اخر الأخباراوراق المراقب

خطبة السيدة زينب “ع” في مجلس يزيد.. من مأساة السبي إلى مشروع صناعة الوعي

صباح الصافي..

لم يكن دخول ركب السَّبايا إلى مجلس يزيد بن معاوية، حدثًا عابرًا في مسار التَّاريخ الإسلامي؛ وإنَّما شكَّل لحظة فاصلة تتقاطع فيها قوَّتانِ متضادتانِ في الرُّؤية والمنهج، قوَّة السُّلطة التي توهَّمت أنَّ العنف العسكري قادر على إنهاء الحقيقة وإخماد صوتها، وقوَّة الحقِّ التي تجلَّت في شخصيَّة السيِّدة زينب بنت عليِّ (عليهما السلام)؛ لتعلن أنَّ واقعة كربلاء بداية مرحلة جديدة من انكشاف الظُّلم والانحراف أمام الوعي والحكمة.

المحور الأوَّل: إظهار العقيدة في مجلس الطغيان

لقد دخلت السيِّدة زينب (عليها السلام) مجلس يزيد بوصفها امتدادًا لرسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولسانًا ناطقًا باسم مشروعه الإلهي. ومن هنا جاء خطابها في سياق يتجاوز البعد الانفعالي أو اللحظات التي كانت تعيشها، ليؤسِّس قراءة عقديَّة وتأريخيَّة تعيد ضبط ميزان القيم بعد محاولة السُّلطة قلبه.

بدأت السيِّدة زينب (عليها السلام) خطابها بحمد الله (تعالى) والصَّلاة على رسوله (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، فقالت: “الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ”.

وهذا الافتتاح يحمل دلالة معرفيَّة عميقة؛ إذ يُخرج الحدث من دائرة التَّفسير السُّلطوي الذي كان يزيد يحاول فرضه، إلى دائرة التَّوحيد التي تجعل الله (تعالى) هو المرجع الأعلى في الحكم على الوقائع. فالكلام هنا يُبنى على منطق القضاء الإلهي الذي يضع الظَّالم والمظلوم في ميزان الحقِّ المطلق.

إنَّ هذا التَّحول في الخطاب يكشف عن وعي عقائدي راسخ لدى السيِّدة زينب (عليها السلام)؛ حيث يُقرأ الحدث باعتباره امتدادًا لسنن إلهيَّة في الابتلاء والتَّمييز بين الحقِّ والباطل، كما يشير القرآن الكريم في قول الله (تعالى): (وَلَيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ).

ومن هذا المنطلق، يصبح خطابها (عليها السلام) إعادة صياغة لواقعة كربلاء ضمن إطار عقائدي يجعل الدَّم المراق في كربلاء حُجَّة قائمة على الظَّالمين، وشهادة خالدة على صدق المشروع الحسيني. وهذا الموقف ينسجم مع ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في أنَّ الحق يُقاس بثبات المبدأ، وليس بكثرة القوَّة؛ فقد رُوي عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): “أَيُّهَا النَّاسُ؛ لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِه.

المحور الثاني: البعد القرآني باعتباره مرجعيَّة للحدث

كانت خطبة السيِّدة زينب (عليها السلام) في مجلس يزيد بن معاوية في جوهرها قراءة قرآنيَّة للواقع التَّأريخي، وإعادة تفسير للحدث ضمن منظومة السُّنن الإلهيَّة التي يقدِّمها القرآن الكريم في فهم حركة الأمم وسقوط الظَّالمين. فهي تتعامل مع كربلاء بوصفها حلقة من سلسلة ممتدَّة تحكمها قوانين إلهيَّة ثابتة لا تتبدل ولا تتغيَّر.

وفي هذا السِّياق، استحضرت (عليها السلام) قول الله (تعالى): (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون).

إنَّ هذا الاستحضار كان عمليَّة تأطير معرفي للحدث داخل النَّسق القرآني، بحيث يُعاد تعريف يزيد، ومن يمثِّله بوصفه نموذجًا متكررًا من نماذج الانحراف التي تحدَّث عنها القرآن الكريم عبر التَّأريخ، لا بوصفه حالة استثنائيَّة أو صراعًا سياسيًّا عابرًا.

وبواسطة هذا الرَّبط، تنتقل السيِّدة زينب (عليها السلام) من مستوى الوصف التَّأريخي إلى مستوى التَّفسير في ضوء السُّنن، فيصبح ما جرى في كربلاء تطبيقًا حيًّا لقانون إلهي ثابت، مفاده، أنَّ التَّكذيب بآيات الله (جلَّ جلاله) والاستهزاء بالقيم الإلهيَّة لا ينتهي إلَّا إلى سوء العاقبة والانهيار مهما طال الزَّمن أو اشتدَّت أدوات السُّلطة.

وبذلك، يتحوَّل الحدث من كونه واقعة دامية محصورة في زمن محدَّد، إلى نموذج تفسيري دائم يُقرأ في ضوئه كلِّ انحراف لاحق؛ لأنَّ القرآن الكريم يعرض التَّأريخ كمسار تحكمه سنن متكررة، كما في قول الله (سبحانه): (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا).

المحور الثالث: تفكيك شرعيَّة السلطة أمام شرعيَّة الرسالة

عندما حاول يزيد بن معاوية أن يستثمر مشهد السَّبي بوصفه دليلًا على الحسم السِّياسي والانتصار العسكري، كان يتعامل مع الواقعة ضمن منطق السُّلطة الذي يُعيد تعريف الهزيمة والنَّصر وفق ميزان القوَّة الماديَّة، غير أنَّ خطاب السيِّدة زينب (عليها السلام) جاء ليقلب هذا المنطق من جذوره، وينقل النِّقاش من مستوى “الشَّرعيَّة السياسيَّة” إلى مستوى “الشَّرعيَّة الرِّساليَّة”، حيث يصبح الحقُّ معيارًا يُحاكم به فعل السُّلطة ذاته. فخاطبته (عليها السلام) بعبارة تحمل مضامين عالية، فقالت: “أَمِنَ الْعَدْلِ يَا بْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإِمَاءَكَ، وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) سَبَايَا؟” فكانت هذه الصياغة عمليَّة تفكيك لأساس الشَّرعيَّة التي يدَّعيها يزيد. فهي تبدأ بسؤال استنكاري يُسقط دعوى “العدل” من أصلها، وتضع الفعل السُّلطوي في مواجهة معيار أعلى هو معيار النُّبوَّة وحرمة الرِّسالة.

إنَّ توصيفها (عليها السلام) له بقولها: “يا بن الطلقاء” يحمل بعدًا تأريخيًّا وعقديًّا بالغ الأهميَّة، إذ يعيد الإشارة إلى لحظة فتح مكة حين عفا النَّبيُّ الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) عن قريش، وقال: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ” وهذا التَّوصيف اُستخدمَ؛ ليعيدَ ضبط الانتماء التّأريخي للسُّلطة الأمويَّة، وبيان أنَّها ليست امتدادًا طبيعيًّا للنُّبوَّة، وأنَّها كيان نشأ خارج الامتداد القيمي للرِّسالة.

وأكثر من ذلك؛ فإنَّ كلمة السيِّدة زينب (عليها السلام) تدلُّ على عدم أهليَّة الطُّلقاء للخلافة والقيادة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وإن لم يرد نصٌّ قرآنيٌّ يذكر كلمة “الطُّلقاء” صراحةً في موضوع الخلافة.

والاستدلال يقوم على الجمع بين مفاهيم قرآنيَّة تتعلَّق بالإيمان الحقيقي، والسَّابقة في الدِّين، والطَّهارة المعنويَّة والمادِّية، وعدم مساواة المؤمنين المتقدِّمين بمن دخل الإسلام متأخرًا بعد فتح مكة. ومن أبرز الآيات التي يُستدل بها قول الله (تعالى): (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فهذه الآية تضع تمايزًا واضحًا بين السَّابقين الذين آمنوا وضحُّوا قبل فتح مكة، وبين من دخل الإسلام بعد أن أصبحت الدَّولة قوَّية ومنتصرة. فالتقدُّم في الإيمان والجهاد يمنح صاحبه أولويَّة قياديَّة، ولذلك كان من المستحيل -بحسب هذا الفهم- تقديم الطُّلقاء على من سبقهم بالإيمان والتَّضحية، كالإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام).

وكذلك قول الله (تعالى): (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فالآية تمنح منزلة خاصَّة للسَّابقين الأوَّلين، لا لمن تأخَّر إسلامه إلى ما بعد انتصار الإسلام.

كما يُستدل بقوله (تعالى): (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، فمنْ مارس الظُّلم أو حارب الدِّين لا يكون أهلًا لهذا المقام، حتَّى لو أعلن الإسلام بعد ذلك.

وقال (عليه السلام) في كتاب آخر: “وَاعْلَمْ يا مُعاوِيَة، أنَّكَ مِنَ الطُّلَقاءِ الَّذينَ لا تَحِلُّ لَهُمُ الْخِلافَةُ، وَلا تُعْقَدُ مَعَهُمُ الْإمامَةُ، وَلا تُعْرَضُ فيهِمُ الشّوُرى، وَقَدْ بَعَثْتُ الَيْكَ وَإلى مَنْ قِبَلَكَ جُرَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ، وَهُوَ مِنْ أهْلِ الْايمانِ وَالْهِجْرَةِ السّابِقَةِ، فَبايِعْ، وَلا قُوَّةَ إلَّا باِللهِ.

وبذلك، تنتقل السيِّدة زينب (عليها السلام) من مستوى الاحتجاج العاطفي إلى مستوى التَّفكيك المعرفي للسُّلطة، حيث تُسقط ادعاء “النَّصر” بوصفه معيارًا للحقِّ، وتؤكِّد أنَّ انتهاك حرمة بيت النُّبوَّة لا يمكن أن يُعاد تعريفه سياسيًّا؛ لأنَّه يدخل في نطاق الظُّلم المطلق الذي لا يكتسب شرعيَّة بأيِّ حال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى