اراء

النجاح الأولمبي لا يولد بالمصادفة

سمير السعد..

تتراقص الأعلام فوق مضامير ألعاب القوى، فتتحول المنافسات إلى لوحة تنبض بالحياة، وترسم ألوانها حكايات شعوب صنعت المجد بالإرادة والعمل. تتسابق الخطوات نحو خط النهاية، وتتسابق معها الأحلام والطموحات، فيما تفيض المدرجات والشاشات بمشاعر الفخر كلما ارتفع علم وطن على منصّة الإنجاز.

مشهد يأسر العين ويوقظ في الذاكرة أسماء عربية خالدة، مثل نوال المتوكل وسعيد عويطة وغيرهما من الأبطال الذين كتبوا تأريخًا رياضيًا مازال حاضرًا في وجدان الجماهير.

وأثناء متابعة إحدى البطولات السابقة لألعاب القوى، استوقفتني تلك اللوحة البصرية الجميلة للأعلام المشاركة وهي تتمايل على شاشات العرض الحديثة. شعرت بالاعتزاز وأنا أرى أعلام قطر والمغرب والجزائر ومصر وتونس حاضرة في أكبر المحافل الرياضية. عندها تولّد سؤال ظلّ يرافقني حتى نهاية المنافسات: لماذا لا يحضر العلم العراقي بين أعلام الإنجاز الأولمبي بالصورة التي تليق بتأريخ العراق وطاقات شبابه؟.

تعاقبت على العراق مراحل سياسية مختلفة، من النظام السابق إلى مرحلة الانفتاح والديمقراطية، ورُصدت ميزانيات كبيرة لدعم القطاع الرياضي، وأُعلنت برامج ومشاريع لتطوير الاتحادات ورعاية الشباب. ومع ذلك، بقي الإنجاز الأولمبي محدودًا، وظلّت أبرز الذكريات الرياضية الحديثة تتمثل بالمركز الرابع الذي حققه منتخب العراق لكرة القدم في أولمبياد أثينا عام 2004، وهو إنجاز يستحق كل التقدير، غير أن الطموح العراقي يتطلع إلى حضور أولمبي متواصل في الألعاب الفردية والجماعية، يتناسب مع مكانة العراق وإمكاناته البشرية.

السؤال الذي يفرض نفسه: أين تكمن الحلقة المفقودة؟ هل تحتاج المواهب إلى اكتشاف مبكّر ورعاية علمية متواصلة؟ هل تكفي المنشآت الرياضية وحدها لصناعة البطل الأولمبي؟ أم أن الطريق يبدأ برؤية استراتيجية تمتد سنوات طويلة، تتكامل فيها الإدارة والتخطيط والتدريب والتغذية والطب الرياضي والاحتراف، وصولاً إلى صناعة جيل ينافس بثقة على أكبر المسارح الرياضية.

العراق عرف عبر تأريخه طاقات رياضية واعدة، وقدّم أسماء امتلكت العزيمة والإصرار، الأمر الذي يؤكد أن الموهبة حاضرة، وأن الاستثمار الصحيح فيها قادر على تحويلها إلى إنجازات ترفع اسم الوطن في المحافل الدولية. فالنجاح الأولمبي لا يولد بالمصادفة، وإنما تصنعه منظومة متكاملة، تبدأ باكتشاف الطفل الموهوب، وتمضي معه عبر برامج إعداد مدروسة، حتى يصل إلى منصّة التتويج.

تبقى هذه الخواطر مجرّد تساؤلات يردّدها كل مُحبّ للعراق ورياضته، بعيدًا عن توجيه الاتهام إلى جهة بعينها. فالإجابة الحقيقية تحتاج إلى مراجعة موضوعية وشجاعة، وإلى قراءة علمية لتجارب الدول التي صنعت أبطالها بالصبر والعمل والتخطيط.

ويبقى الأمل قائمًا بأن يأتي اليوم الذي يرفرف فيه العلم العراقي على منصّات التتويج الأولمبية، فتتحول الأحلام إلى واقع، وتصبح الإنجازات عنواناً لمرحلة جديدة من تأريخ الرياضة العراقية. وحتى يحين ذلك اليوم، تبقى الأسئلة مشروعة: أين تكمن مواطن الخلل؟ ومن يتحمّل مسؤولية معالجتها؟ وكيف يتحول الدعم المالي والإمكانات البشرية إلى مشروع وطني يصنع أبطالاً أولمبيين يحملون اسم العراق بكل فخر واقتدار؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى