منظومة الإمام الشهيد الخامنئي المتكاملة التي خُلقت نداً للاستعمار

بقلم: ايهاب شوقي..
لم يكن الشهيد الإمام القائد السيد علي الخامنئي مجرد قائد تأريخي وزعيم سياسي ومرجعية دينية كبرى، بل كان منظومة مقاومة متكاملة الأبعاد، ووصفة استقلال وطني مستوفية الشروط، ومعادلًا موضوعيًا في مواجهة الهيمنة والاستكبار، وإمامًا للمستضعفين في مواجهة الشيطان الأمريكي الأكبر، الذي حشد حلفًا عالميًا من المستكبرين والطغاة.
ولا شك أن التأريخ شهد بروز شخصيات مقاومة كبيرة استطاعت تحرير بلدانها وقيادة حركات للتحرر الوطني، ولكن القيمة الكبيرة للسيد الخامنئي تكمن في أن أثره تخطى بلاده ليصبح قائدًا روحيًا للمستضعفين وأصحاب الكرامة وحاملي راية المقاومة.
واستطاع ترجمة مشروع الإمام الخميني “قدس سره” للثورة الإسلامية، الذي اؤتمن عليه وعلى قيادته، عبر برنامج استراتيجي وتفاصيل دقيقة تنفيذية، نجحت في تحويل الجمهورية الإسلامية إلى أبرز بقعة مقاومة في مواجهة أكبر حصار واستهداف شيطاني
دولي، بل أصبحت راعية لحلف مقاوم ينتشر في مفاصل استراتيجية رئيسة لمشروع الهيمنة، ومنصة مقاومة إعلامية وثقافية في مواجهة خطاب الاستكبار ودعاياته، ونموذجًا ملهمًا للمستضعفين يكسر جميع الحواجز التي وضعها الاستعمار لإدخال اليأس بقلوبهم وغرس الاستسلام في نفوسهم، ووصل بالجمهورية الإسلامية لتصبح ندًا لأقوى إمبراطورية استعمارية، وتشكيل معادلة ردع أفقدت أمريكا صوابها، وجعلتها أضحوكة ومحل استهزاء دولي بعد فشل عدوانها وحصارها واستهدافها متعدد الأشكال على مدى 47 عامًا بلا توقف.
أولًا: مشروع الهيمنة وأدواته
يقوم مشروع الهيمنة والاستكبار على أعمدة رئيسة متعددة ومتكاملة الأبعاد، ولعل أهمها يمكن رصده فيما يأتي:
1 – غرس ثقافة الاستسلام وفقدان جدوى المقاومة، وأن القوة المادية هي العامل الوحيد للنصر وبسط الإرادة.
2 – امتلاك القوة التدميرية واستراتيجيات الرعب، وعدم التقيد بالقوانين والأعراف.
3 – استهداف الخصوم بحروب متعددة تضم الحروب الاقتصادية عبر الحصار وتدمير المقومات الاقتصادية، والمؤامرات بخلق الفتن الداخلية وزعزعة الاستقرار وتهشيم الجبهات الداخلية، والاستباحة العسكرية برًا وجوًا وبحرًا للوصول إلى حالة الإذعان والاستسلام، وفي أقل الأحوال خلق حالة تبعية تجنبًا للغزو، والاحتفاظ بحالة ردع تبقي الخصوم والمستضعفين في دائرة الطاعة والخوف والمهادنة.
4 – السيطرة على مفاصل استراتيجية مهمة، من أهمها المضائق والممرات البحرية وطرق التجارة.
ثانيًا: كيف واجه الشهيد الخامنئي هذا المشروع؟
استوعب الشهيد الخامنئي مشروع الهيمنة وأدواته، كما استوعب الثورة الإسلامية وتشريعاتها، وأيقن أنها المقابل الموضوعي للطغيان، وأنها الأمل الوحيد لانتصار المستضعفين.
وعندما كان يتولى أي منصب، قبل أن يؤتمن على قيادة الثورة خلفًا لمؤسسها العظيم الإمام الخميني، كان الشهيد السيد الخامنئي يضع بصمات في مناصبه تشي بفقهه العميق للترابط بين الاستبداد الداخلي والاستعمار، وتشي بأن سياساته تشكل حلولًا جذرية لأصل المرض، وليس لأعراضه.
ولعل أبرز مصاديق ذلك تتمثل فيما يلي:
أولًا: على مستوى الدعايات الاستعمارية، استطاع الشهيد تشكيل مؤسسات إعلامية مناهضة للخطاب الاستعماري، واستند إلى مناقبه ومواهبه وتأريخه في الخطابة والبيان، التي كانت بمثابة مهمته الرئيسة في فترة الثورة، والتي حولت مدينة مشهد، التي تولى رعايتها، ونشر ثقافة الثورة الإسلامية فيها، إلى منصة ثورية كبرى، ودعا إلى “جهاد التبيين”، وهو مصطلح فريد يعكس أهمية الإعلام والمواجهة الثقافية، ودورهما الذي لا يقل عن الجهاد في ساحات القتال.
كما طوّر الدبلوماسية الإيرانية كميدان لخوض المعارك، كتفًا إلى كتف مع الحرس الثوري والجيش الإيراني، لفطنته بميادين الاستعمار المختلفة، ولمواجهة الأدوات الناعمة للاستعمار إلى جانب الأدوات الخشنة.
ثانيًا: في مواجهة الحصار الاقتصادي، استطاع الشهيد الخامنئي بلورة الاقتصاد المقاوم، بتنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد على النفط، الذي شكل نقطة ضعف جميع البلاد النفطية، واعتمد على نمط الإنتاج والاكتفاء الذاتي، وحرص على الشفافية وطهارة اليد والتوزيع العادل للثروة وعوائد الإنتاج، بما يضمن جبهة مستقرة، ومعيشة كريمة، ومناعة ضد الاختراقات الاستعمارية التي تنفذ من بوابة الاقتصاد وأزماته.
ثالثًا: استطاع الشهيد، بمعاونة رفاقه من القادة العظام، تشكيل محور للمقاومة على امتداد المفاصل الاستراتيجية التي وقعت بلدانها ضحية لاستراتيجيات الهيمنة، واستطاع تشكيل منظومة ردع في البحار والمضائق والممرات، تُوجت بالسيطرة على أهم ممر ملاحي يتمثل في مضيق هرمز، وهو ما شكل ضربة قاصمة للمشروع الاستعماري وحلفائه.
رابعًا: على مستوى المواجهات العسكرية، استطاع الشهيد تطوير منظومة حرب غير متماثلة، ليقينه باستحالة امتلاك المنظومة التسليحية للقوى الكبرى، وبالتالي ركزت هذه المنظومة المقاومة على إبطال مفاعيل التفوق العسكري وتشكيل توازن للردع، عبر منظومة وصفها قائد القيادة الوسطى الأمريكي السابق كينيث ماكنزي بالثلاثي غير المأهول، قاصدًا الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وصواريخ كروز، وأوصى بعدم المواجهة مع إيران والاكتفاء باحتوائها، لعدم قدرة الدفاعات على مواجهة خطر إيران، وأن هذا النمط الإيراني أفقد التفوق الجوي الأمريكي فعاليته وردعه.
والجميع يتذكر آخر ما قاله الشهيد قبل شهادته المباركة، عندما قال: إن أقوى جيش في العالم يمكن أن يتلقى صفعة كبرى، وإن حاملات الطائرات، رغم خطورتها، فإن السلاح الذي يغرقها هو الأخطر.
هنا، فإن سلاح العقيدة الصلبة، والإيمان بالحق، والصبر الاستراتيجي، والإعداد للمواجهة طويلة النفس، وسلامة الجبهة الداخلية، والإعداد للمواجهة الشاملة لجميع أبعاد الصراع، هي فلسفة وقوام الثورة الإسلامية، وهو ما أدركه الشهيد القائد، وعمل على تنفيذه بصبر وشجاعة وإخلاص، حتى توّج مسيرته النضالية بشهادة تليق به ويليق بها.



