اراء

البلطجة الأميركية في الوقت الضائع.. والكلمة الأخيرة للميدان

بقلم: محمد مهدي حسن بغدادي..


للحروب لغتها، وللسياسة لغتها، لكن التاريخ يخبرنا أنّ السياسة كثيرًا ما تتحول إلى امتدادٍ للحرب بوسائل أخرى، وعندما يعجز السلاح عن فرض شروطه، يتقدم الابتزاز السياسي ليحاول انتزاع ما فشلت المدافع والطائرات في تحقيقه. هذه ليست ظاهرة جديدة في تاريخ الصراعات، بل هي القاعدة التي يلجأ إليها الأقوياء حين يكتشفون أنّ القوة وحدها لم تعد تكفي.
هذا تحديدًا  ما يبدو أنه يحدث في لبنان. لقد اعتادت الولايات المتحدة أن تدخل إلى المنطقة وهي تحمل في يدها شعار السلام، وتحمل في اليد الأخرى دفتر الشروط والإملاءات. أما “إسرائيل”، فقد اعتادت أن تخرج من الحروب وهي تبحث في السياسة عما عجزت عن الحصول عليه في الميدان.
من هنا يمكن فهم ما جرى في واشنطن، لا باعتباره مجرد اتفاق أو تفاهم سياسي، بل باعتباره محاولة لإعادة إنتاج نتائج الحرب على طاولة المفاوضات، بعد أن استعصت على الطائرات والدبابات وسنوات العدوان والاغتيالات والدمار.
إنّ أخطر ما في ما سُمّي “اتفاق الإطار” ليس البنود التقنية ولا العبارات الدبلوماسية، بل الفلسفة التي يقوم عليها وقلبه للحقائق رأسًا على عقب؛ فالمحتل يتحوّل إلى مراقب، والمعتدي يصبح ضامنًا، والضحية تتحول إلى متهم، والمقاومة التي نشأت للدفاع عن الأرض والشعب تصبح هي المشكلة الأصلية التي ينبغي معالجتها.
أيّ منطق هذا الذي يجعل انسحاب المحتل من أرضٍ ليست له مشروطًا بما يجري داخل الدولة التي يحتل أرضها؟
وأيّ سيادة تبقى لدولة يصبح احتلال جزء من أرضها أمرًا قابلًا للتفاوض والمساومة والربط بشروط يضعها المعتدي نفسه؟
لقد عرف اللبنانيون طوال تاريخهم الحديث أنّ الاحتلال ينسحب عندما يصبح بقاؤه أكثر كلفة من رحيله، لا عندما يمنحه أصحاب الأرض شهادات حسن سلوك، ولا عندما يقتنع بأنّ الظروف باتت مناسبة للمغادرة.
إنّ أخطر ما تحاول هذه المرحلة تكريسه هو تحويل العدو من طرفٍ معتدٍ إلى شريكٍ في تحديد مستقبل لبنان الأمني والسياسي، ومنحه حق تقييم الأداء الوطني اللبناني، بل وربط عودة الأهالي إلى قراهم، وإعادة إعمار بيوتهم، وانسحاب قواته، بمدى التقدم في تنفيذ مطالبه وشروطه.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالمسألة لم تعد تتعلق باتفاق سياسي عابر، بل بمحاولة إعادة تعريف معنى السيادة نفسها، بحيث تصبح السيادة مرتبطة برضا الخارج، ويصبح الاحتلال جزءًا من آليات التحقق والتنفيذ، وتتحول المساعدات وإعادة الإعمار إلى أدوات ضغط وابتزاز سياسي وأمني ومالي.
لكن الأخطر من كل ذلك هو محاولة دفع اللبنانيين إلى الصدام فيما بينهم. لقد أثبتت التجارب أنّ العدو قد يتعايش مع فشل مشروعه العسكري، لكنه لا يتخلى بسهولة عن حلم الفتنة الداخلية. فالحرب الأهلية قادرة على أن تمنحه في أشهرٍ قليلة ما عجز عن تحقيقه خلال سنواتٍ طويلة من الحروب والاعتداءات.
لهذا كان من الضروري التمييز بين رفض المشروع السياسي وبين الانجرار إلى الفوضى الداخلية. فالغضب مفهوم، والاعتراض حق، ورفض التنازل عن السيادة واجب، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى مواجهة داخلية هو الهدية الأكبر التي يمكن أن تُقدَّم لمن عجز عن تحقيق أهدافه بنفسه.
إنّ حماية السلم الأهلي اليوم ليست تنازلًا، بل جزء من معركة الدفاع عن لبنان. وفي لعبة الجيوش تكون القوة العسكرية هي الأداة الأساسية، أما في لعبة المكر والخداع والحروب المركبة، فإنّ الحكمة والصبر والوعي الشعبي تصبح أسلحة لا تقل أهمية عن أي سلاح آخر.
لقد حاول كثيرون عبر العقود الماضية إقناع اللبنانيين بأنّ المقاومة مشكلة لبنان، لكن الوقائع كانت تقول دائمًا إنّ المشكلة الحقيقية كانت في الاحتلال والعدوان والأطماع التي لم تتوقف يومًا.
وحين حاول البعض تقديم التنازلات على أمل شراء الاستقرار، اكتشف اللبنانيون مرة بعد أخرى أنّ التنازل لا ينهي الأطماع بل يفتح لها الأبواب.
إنّ الأوطان لا تُبنى بالخضوع، والسيادة لا تُمنح من الخارج، والكرامة الوطنية لا تُقاس بعدد التوقيعات على الأوراق، بل بقدرة الشعوب على حماية حقوقها والدفاع عن أرضها وصون وحدتها الداخلية.
قد تنجح الضغوط في فرض وقائع مؤقتة، وقد تنجح القوة في صناعة لحظات صعبة، لكن التاريخ يعلمنا أنّ الشعوب لا تُهزم ما دامت تحتفظ بإرادتها ووعيها ووحدتها.
ولذلك، مهما تعددت الوثائق والاتفاقات والضغوط والابتزازات، تبقى الحقيقة الأوضح والأبقى: الكلمة الأخيرة ليست للورق، ولا للمفاوضات التي تُدار تحت الضغط، ولا للابتزاز الأميركي في الوقت الضائع. الكلمة الأخيرة تبقى للميدان،  لصمود الناس، لوعي الشعوب وللأرض التي تعرف أصحابها جيدًا، وتعرف أيضًا من جاءها محتلًا ومن دافع عنها ودفع من أجلها الدم والتضحيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى