عمر السراي ..الشاعر المزاوج بين أصالة التراث وتطلعات الحداثة الأدبية

المراقب العراقي /ماجد حميد..
لم تكن أزقة الطين الجنوبي وشوارع البؤس المغطاة بالأتربة في تلك البقعة القابعة خلف “السدة” مجرد بيئة قاسية بل كانت معجزة احتضنت نبتة النهضة الفنية والثقافية لتصنع من “مدينة الصدر/ الثورة” عاصمة أدبية وثقافية في قلب بغداد، حمل سكان هذه المدينة جينات سومر العريقة ونقلوها بأمانة ومحبة من البصرة، والناصرية، والكوت، والعمارة.
وكما يقول عمر السراي”نحن الشروكيين…أبناءٌ بررةٌ للسيد (حمد الله)
تذوب أرواحنا مع حنّاء العوانس على جدران ضريحه..”
وحين احتضنت المدينة كل أطياف العراق من عرب، وأكراد، وصابئة، وبدو، وفلاحين، رفدت بغداد إلى جانب الصُناع والزراع وصغار الموظفين بأجيال متعاقبة من الفنانين والأدباء، أجيال تتنفس الحب والطيبة الموروثة عن الآباء والشجاعة والصلابة الممتدة من أجداد ثورة العشرين.
لقد زينت هذه المدينة تاج العاصمة بجواهر ثقافية لا تُقدر بثمن، جواهر كانت كلماتها أثمن من البرق والأحجار الكريمة لأنها كلمات تمتلك القدرة على تغيير النظرة للحياة والحب، وتصلح أن تكون قاموساً وجودياً لعمق صدقها ونقائها.
ومن بين تلك الجواهر التي صدحت بالكلمة الصادقة، يبرز الدكتور عمر عجيل جاسم السراي، الذي مثل بامتياز حالة من “التحول الجمالي” في المشهد الثقافي العراقي. جمع السراي بين التجربة الإنسانية العميقة لبيئته وبين مسار علمي رصين ركّز فيه على النقد والأدب الحديث.
حصل السراي على البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من الجامعة المستنصرية ببغداد، ثم نال منها شهادة الماجستير في الأدب الحديث، ليتوّج مسيرته الأكاديمية بشهادة الدكتوراه في التخصص ذاته، متوزعاً في دراسته وبحوثه بين العراق ومصر (جامعة المنصورة). هذا التكوين العلمائي أتاح له صياغة منجز شعري ونقدي متوازن يزاوج ببراعة بين أصالة التراث وتطلعات الحداثة الفنية والوجودية.
عاصر السراي في “مدينة الصدر/ الثورة” أجيالاً متعددة من المبدعين الذين شكّلوا مركز ثقل أدبي وفني في العاصمة، وارتبط اسمه برواد وشعراء تركوا بصمة جليلة، أمثال: كريم العراقي، فالح حسون الدراجي، حمزه الحلفي، محمد علوان،سلمان كيوش،طالب محمود السيد، شوقي كريم حسن،سمير صبيح، عبد السادة البصري، يونس جلوب العراف وعارف الساعدي وجبار رشيد .
ولم يكتَفِ السراي بالاستفادة من هذه البيئة، بل عمل على تغذيتها وتطويرها؛ إذ أسس نادي الشعر في اتحاد الأدباء عام 2005، ليكون ملتقىً لأدباء جيله من شعراء قصيدة النثر والتفعيلة. وحرص لاحقاً من خلال موقعه الإداري على إشراك وتكريم مبدعي المدينة في المهرجانات الوطنية الكبرى كمهرجاني “الجواهري” و”مصطفى جواد”.
يشغل الدكتور عمر السراي حالياً منصب الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وكان قبلها عضواً في المجلس المركزي والمكتب التنفيذي وأميناً للشؤون الثقافية وناطقاً إعلامياً باسم الاتحاد، فضلاً عن عضويته في نقابة الفنانين العراقيين ورابطة مصطفى جمال الدين الأدبية.
وإلى جانب قيادته للمشهد الثقافي، يمارس التدريس الأكاديمي لمادة اللغة العربية وآدابها ومواد النقد والصوت والإلقاء والسيناريو في معهد الفنون الجميلة (للبنات) ببغداد. كما امتلك حضوراً إعلامياً بارزاً عبر كتابة العمود الصحفي، وإعداد تقديم البرامج الثقافية والوثائقيات، ومن أبرزها:برنامج (ورد): عبر شاشة “العراقية العامة”، والذي حاور فيه أوتاد الإبداع العراقي وبرنامج (رغيف شعر): على قناة “آي نيوز”، المخصص لمناقشة الحداثة الشعرية وتسليط الضوء على التجارب الشبابية.
يتسم النتاج الشعري للسراي بمرونة عالية في مواكبة الحداثة؛ إذ يتنقل بسلاسة من القصيدة العمودية إلى شعر التفعيلة، ليستقر في فضاء “قصيدة النثر” دون تعصب لشكليّة معينة. كما يُعرف شعره بالاستجابة العاطفية الفورية للحدث الوطني والوجداني (كما في نصه “مدونات عابر” الذي جسد مأساة تفجير جسر الصرافية)، معتمداً على تقنيات البناء المسرحي والمونتاج الدرامي، والتكثيف السيميائي للمفردة اليومية.
ولم تقف إبداعاته عند حدود الشعر، بل امتدت إلى:الإبداع البصري والدرامي: من خلال مخطوطات ومؤلفات في السيناريو والمسرح والتنظير الفني (مثل: الآن، السلام أكبر، أزاميل).
المنجز النقدي: حيث قدّم دراسة في فلسفة النص الشعري العراقي المعاصر عبر كتابه الهوية والشعر (2016).
تُوجت رحلته الشعرية بإصدار دواوين ومجموعات بارزة، منها: ساعة في زمن واقف (1999)، ضفائر سلم الأحزان (2005)، سماؤك قمحي (2007)، الألبوم الشعري طواويس ماء (2009)، وجه إلى السماء… نافذة إلى الأرض (2016)، وحلويات (2022).
وقد حظي هذا المنجز بتكريمات وجوائز رفيعة على الصعيدين المحلي والعربي، من أهمها:جائزة الإبداع العراقي من وزارة الثقافة العراقية (مرتين)، منها عن مجموعته “وجه إلى السماء… نافذة إلى الأرض” وجائزة مجلة قوافي للإبداع الشعري الإمارات، 2024)، والتكريم بالوسام الذهبي وجائزة الدكتورة سعاد الصباح للإبداع الفكري والأدبي (الكويت، 2006-2007) وجائزة مؤسسة “الصدى” للإعلام (الإمارات، 2005) وجائزة “المميزون” الثقافية (لبنان، 2004) وجائزة جريدة “الزمان” للإبداع (2003).
إن تجربة الدكتور عمر السراي لا تمثل حسابه الشخصي في عالم الأدب فحسب، بل هي شهادة حيّة على قدرة الأثر الإنساني القادم من أزقة الطين على إعادة تشكيل المشهد الثقافي لبلد كامل، وترجمة أوجاعه وآماله إلى لغة عالمية تجوب المحافل والأطاريح الأكاديمية.



