اراء

هذا حالنا ولكن ماذا عن طهران وأمريكا وتحالف مكة؟

بقلم: فؤاد البطاينة..

حكام العرب يعلمون بأنهم مكشوفون لشعوبهم ولحكام العالم بخيانتهم لقضية فلسطين وتآمرهم على أوطانهم ودولهم وشعوبهم. ومن هذا المنطلق نجدهم الأشد حرصاً على بقاء كيان الاحتلال لأنهم يراهنون عليه بوجودهم. وعلى مذبح هذه الخيانة وهذا الرهان يشاركون هذا الكيان بكل ما يطلب منهم تقديمه من لحم دولهم وأوطانهم وشعوبهم بدون حساب، ودعموه وشاركوه بجرائم إبادة الجنس في غزة وفي الضفة، وفي تدمير دولهم وتسليم مقدراتها لهذا الكيان. وما تبريرهم لنا لمشاركتهم اليهودي الصهيوني في حربه على إيران إلا في سياق السعي لتهويدنا تماما كمسعاهم في تهويد الإسلام.

دول الطوق الخمس مدمرة باستراتيجية الفساد السياسي المفرخ لكل فساد. أراضيها ومدنها مستباحة للصهيوني الجالس في مراكز قرارها. فالإصلاحات والتغيير فيها صهيوني المضمون والهدف. والثورات السلمية والعسكرية فيها يصنعها وينفذها الصهيوني، وحكامها صوريون في محميات أمريكية، بخدمة تحقيق المشروع الصهيوني في المنطقة على أنقاض ماضيها وحاضرها. وأقولها، لا متحدٍّ لهذا التحدي في ظروفنا سوى وعينا والمقاومة والإرادة الشعبية فبنزعها لا يبقى أمامنا سوى الزمن ألا بئست نخب الشعوب وطول كبوتها. لكن تحرير أوطاننا آت بمنطق التأريخ وسيرفع علم فلسطين إيذانا بشرعية رفع كل علم لقطر عربي. وقد يصبح الاستعمار من الماضي إلا أن محارق غزة ومذابح الضفة فمن العار والمستحيل أن تنتهي قبل استيفاء كامل استحقاقاتها.

أمريكا وكيان الاحتلال وقوى الاستكبار العالمي هم اليوم في لحظة مواجهة الحقيقة لأول مرة في التأريخ المعاصر، لحظة ولدت من رحم الطوفان الفلسطيني الغزي لتنتقل رايته لإيران. وإن كان طوفان حماس قد كشف للعالم صلابة تمسك الفلسطيني بأرضه وكشَف هشاشة الكيان وطبيعته العنصرية والإجرامية والهتلرية وجعله لأول مرة في مواجهة شعوب العالم، فإن إيران بصلابة صمودها عَرَّتْ زيف المظلة الأمريكية لدول المنطقة، وانسحب هذا على وهم كل دول العالم، وكشفت للشعب الأمريكي بكل درجاته عن مدى الغدر والابتزاز “الاسرائيلي” لأمريكا، والأهم أن إيران غيرت المزاج السياسي الدولي ونخرت مسلماته السياسية التقليدية، وصححت مفاهيم ومسارات هذه الدول بما يفتح مجالا واسعاً ينعكس على عمق النظرة لطبيعة العلاقات الدولية مع دول وقضايا المنطقة.

إفشال إيران للعدوان بكل استحقاقاته المشار إليها وفرضها وقف النار والقبول بالتفاوض على مرجعية مشرفة لها بموجب وثيقة تفاهم، مثّل نصرا استراتيجيا لها حققته وأنهت فكرة المراهنة على الفتنة الداخلية والضربات الخاطفة لقلب النظام، ووضعها في قائمة الدول الراسخة عالمياً. لكن هذا النصر ليس نتيجة حرب أمريكية مفتوحة على إيران، بل نتيجة فشل عدوانها وتراجعها عن حرب وقعت بفخها أمام التضليل الصهيوني من ناحية وأمام دولة محاربة كإيران تدافع عن كرامتها الوطنية والحضارية بلا حدود وتتمسك بعناصر المواجهة والصمود باستراتيجية الهجو.

هذه المعادلة يجب أن لا تُنسي إيران ميزان القوة المادية بين الطرفين، وبأن أمريكا المتربعة على عرشه عالمياً لا تقبل الهزيمة ولا الإذلال أمام جيش، وليس هناك من دولة قادرة على هزيمتها في حرب كلاسيكية مفتوحة، ولكن من يكسرها هي المقاومة. والمراهنة تكون عليها. وهنا أقول هل يعقل أن لا تحافظ إيران الدولة على هذ النصر ومكتسباته الاستراتيجية تحت تأثير نزعة الانتقام الذي لا يساوي إلا العبث أمام هذا المنجز العظيم الذي أصبح ملكاً وسنداً للشعوب؟

نعم أمريكا تعيش اليوم أول ورطة حقيقية بتأريخها، وقد تجرها ورطتها هذه لمستقبل غامض وخطير مع دول الخليج، ولا بد من فتح باب للهروب. فهل إيران باستجابتها للتصعيد تراهن على أن تعلن أمريكا استسلامها؟ أعتقد بأن على إيران أن تتجنب التصعيد تحاشيا لهيجان الثور الذي يعد العدة، وحتى لا يصبح هذا التصعيد ورقة دولية بيده، بل إن في التصعيد دعما لمسعى الكيان في الضغط على أمريكا، وأن تتذكر في هذا أهمية مضيق هرمز للعالم وتُرشد مطالبها به إلى الحد الذي يبقيه ورقة في متناول يدها لا أكثر. وأن تتذكر بأن أمريكا طوت بعد فيتنام صفحة دخولها بحروب طويلة خاسرة مع الدول والشعوب. وفي السياق أقول أن في هذه الحرب ما يبرر لإيران ويؤكد على لزومية امتلاكها للردع النووي، وأجزم أن النووي ليست مشكلة لأمريكا بل “لإسرائيل “.

أما اتفاق مكة فمسألة بغاية الأهمية لأنها مرتبطة بنتائج فشل العدوان على إيران، وليس خيارا إسرائيليا أو أمريكيا. وفيه خطوة انفكاك تأريخية عن المظلة الأمريكية، والناتو العربي. إيران هي صاحبة هذا الحدث ومحركته، وليس من الحكمة أن تعزل نفسها عنه. ومن الضرورة أن تفكر بالتفاوض مع باكستان تحديداً على شروط انضمامها بهدف الوقوف على حقيقته، فباكستان دولة حرة لكن مشكلتها المال والاقتصاد والتحالف الهندي الإسرائيلي. وعلاقتها مع أمريكا ليست عَمالة ولا رضوخاً وإلّا لاعترفت “بإسرائيل” وتعاملت معها منذ زمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى