اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

الديون تبتلع موازنة الدولة وتجعلها غير قادرة على الحركة

بعد ارتفاعها إلى 208 تريليونات دينار


المراقب العراقي / أحمد سعدون..


كشف رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي في وقت سابق عن حجم المديونية التي ورثتها حكومته عند تسلم مهامها في السابع من نيسان/أبريل 2026 حيث بلغت حوالي 208 تريليونات دينار، وهو رقم أثار موجة واسعة من التساؤلات في الأوساط الاقتصادية والشعبية، لما يحمله من مؤشرات خطيرة بشأن الواقع المالي للدولة، خصوصاً أنه يفوق بأشواط ما كان يُعلن سابقاً عن حجم الدَّين الداخلي، والذي كانت الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني تؤكد أنه يبلغ نحو 82 تريليون دينار، قبل أن تشير تقديرات لاحقة إلى ارتفاعه قرابة 91 تريليون دينار نتيجة الاقتراض الداخلي والديون المتراكمة.
ويرى مراقبون أن الإعلان عن مديونية بهذا الحجم لا يمكن أن يمر بوصفه رقماً عادياً، بل يستدعي تقديم كشف تفصيلي للرأي العام يوضح طبيعة هذه الديون، وما إذا كانت تشمل الديون الداخلية والخارجية معاً، أو التزامات مالية غير مسددة، أو مستحقات مترتبة على الحكومة السابقة، فضلاً عن بيان الجهات الدائنة وآليات السداد، لأن غياب هذه المعلومات يفتح الباب أمام التكهنات ويثير مخاوف بشأن مستقبل المالية العامة.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات جوهرية حول كيفية إدارة الإنفاق الحكومي خلال السنوات الماضية، إذ إن بلوغ المديونية هذا المستوى قد يعني أن الدولة اعتمدت بصورة كبيرة على الاقتراض لتمويل النفقات التشغيلية والاستثمارية، بما فيها تنفيذ المشاريع، بدلاً من الاعتماد على الإيرادات المتحققة من بيع النفط أو الإيرادات غير النفطية.
ولفت المراقبون الى أن الاقتراض بحد ذاته ليس أمراً سلبياً إذا كان موجهاً نحو مشاريع إنتاجية تحقق عوائد مستقبلية، إلا أن الخطورة تكمن في استخدامه لتغطية النفقات الجارية أو سد العجز السنوي دون وجود إصلاحات مالية حقيقية.
وتزداد المخاوف مع استمرار الضغوط التي تواجه الاقتصاد العراقي نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية، إذ إن تراجع أسعار النفط وتقلص الصادرات خلال الأشهر الماضية انعكسا بصورة مباشرة على الموارد المالية للدولة.
ويرى مختصون أن ربط الأزمة الحالية فقط بالتطورات الأخيرة، ومنها اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، لايقدم تفسيراً كاملاً لحجم المديونية، لأن المؤشرات المالية كانت تعكس وجود خلل هيكلي في الاقتصاد العراقي منذ سنوات، بينما بدأت تداعيات الأزمة النفطية الحالية قبل أشهر عدة ، وهو ما يعني أن جذور المشكلة أعمق من مجرد انخفاض مؤقت في الإيرادات.
وفي المقابل تواجه الحكومة الجديدة تحدياً بالغ الصعوبة يتمثل في كيفية إدارة هذه الالتزامات المالية، بالتزامن مع استمرار الإنفاق الكبير على الرواتب والرعاية الاجتماعية والخدمات الأساسية، فضلاً عن استحقاقات المشاريع والعقود الحكومية. كما أن أي تأخير في معالجة الأزمة قد يؤدي إلى تضييق الخيارات المالية، وربما اللجوء إلى مزيد من الاقتراض، وهو ما يزيد من أعباء الدَّين خلال السنوات المقبلة.
وبيَّنَ الخبراء أن مرور أكثر من شهرين على تشكيل الحكومة دون إعلان برنامج إصلاح اقتصادي متكامل يثير قلق الشارع العراقي، في وقت كانت التوقعات تشير إلى إطلاق حزمة إجراءات عاجلة لمعالجة الأزمة المالية، تشمل إعادة هيكلة الإنفاق العام، وترشيد المصروفات غير الضرورية، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، ومراجعة أولويات المشاريع، فضلاً عن مكافحة الهدر والفساد الذي يستنزف مليارات الدنانير سنوياً.
وفي ذات السياق أكد المهتم بالشأن الاقتصادي عبد الحسن الشمري في حديث لـ “المراقب العراقي ” أن العراق يمتلك إمكانيات اقتصادية كبيرة تمكنه من تجاوز الأزمة إذا ما توفرت الإرادة السياسية لتنفيذ إصلاحات حقيقية، تبدأ بإصلاح النظام الضريبي والجمركي، وتفعيل الجباية، وتطوير القطاع الصناعي والزراعي، وتشجيع الاستثمار، وتقليل الاعتماد شبه الكامل على النفط الذي ما يزال يشكل المصدر الرئيس للإيرادات العامة.
وأضاف إن “الحكومة مُطالَبة بنشر بيانات مالية شفافة تتضمن تفاصيل الدين العام، وحجم الالتزامات الفعلية، وخطط السداد، بما يعزز ثقة المواطنين والأسواق، ويمنح السلطتين التشريعية والرقابية القدرة على متابعة إدارة المال العام بصورة دقيقة، بدلاً من الاكتفاء بإعلان الأرقام أمام الإعلام مما يثير المزيد من التساؤلات”.
وأكد الشمري “ضرورة الاعتماد على أشخاص مهنيين يُقيِّمون الوضع الاقتصادي للبلاد ويضعون خططا استراتيجية تنقذ البلاد التي تقترب يوماً بعد آخر من حالة الانهيار”، على حد تعبيره .
ويرجح مراقبون أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد قدرة الحكومة على احتواء الأزمة المالية، إذ إن استمرار ارتفاع المديونية مع تراجع الإيرادات النفطية قد يفرض خيارات صعبة تتطلب إصلاحات جذرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى