اراء

المدرجات لا تكذب.. كيف كشفت كأس العالم اتساع الالتفاف الشعبي العالمي حول فلسطين؟

بقلم: سارة محمد مرزوڨي..


لطالما سعت الدبلوماسية الرسمية إلى قياس موازين القوى من خلال مواقف الحكومات والبيانات السياسية، غير أن السنوات الأخيرة أثبتت أن هناك مؤشراً آخر أكثر صدقاً وعمقاً، هو نبض الشعوب. وإذا كانت الانتخابات تكشف توجهات الناخبين، فإن المدرجات الرياضية تكشف مشاعر الجماهير، ولهذا لم يكن حضور فلسطين في كأس العالم مجرد مشهد عابر، بل كان رسالة سياسية وأخلاقية وإنسانية حملتها الجماهير إلى العالم.
في النسخ الأخيرة من كأس العالم، تحولت الملاعب إلى فضاءات تعبر فيها الشعوب عن تضامنها مع القضية الفلسطينية. لم يكن الأمر مقتصراً على جماهير عربية أو إسلامية، بل امتد إلى مشجعين من مختلف الجنسيات والثقافات الذين رفعوا الأعلام الفلسطينية ورددوا شعارات داعمة للحق الفلسطيني. لقد بدت فلسطين وكأنها المنتخب الذي لا يشارك في المنافسة الرياضية لكنه يحظى بأوسع قاعدة جماهيرية في المدرجات.
واليوم، مع تنظيم كأس العالم على أراضي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يتجدد المشهد بصورة أكثر دلالة. فبالتوازي مع الحدث الرياضي العالمي، شهدت المدن المستضيفة فعاليات ومبادرات شعبية وثقافية وإعلامية هدفت إلى إبقاء صوت فلسطين حاضراً في الفضاء العام. وكأن الرسالة التي أرادت الشعوب إيصالها هي أن كرة القدم قد تجمع العالم حول شغف واحد، لكن العدالة والحرية قادرتان أيضاً على توحيده حول قضية واحدة.
هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن الأحداث التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة. فوسائل التواصل الاجتماعي كسرت احتكار الرواية الإعلامية التقليدية، وأتاحت لملايين البشر الاطلاع المباشر على ما يجري في الأراضي الفلسطينية. ونتيجة لذلك، نشأ جيل جديد من المتضامنين لا تحده الجغرافيا ولا تحدد مواقفه الانتماءات السياسية التقليدية، بل تحركه قيم إنسانية عامة تتعلق بالحرية والكرامة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
لقد أصبح لافتاً أن التظاهرات الداعمة لفلسطين لم تعد حكراً على العواصم العربية أو الإسلامية، بل باتت مشهداً مألوفاً في كبريات المدن الغربية. وفي الجامعات الأمريكية والكندية، وفي الساحات العامة، وحتى في الفعاليات الرياضية والثقافية، برز حضور شعبي متزايد يؤكد أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية منطقة بعينها، بل تحولت إلى قضية رأي عام عالمي.
ولعل أهم ما كشفته المدرجات هو الفجوة المتزايدة بين حسابات السياسة الرسمية ومواقف الشعوب. فبينما تخضع الحكومات لمعادلات المصالح والتحالفات، تتحرك الجماهير وفق معايير أخلاقية وإنسانية أكثر بساطة ووضوحاً. ولهذا كانت الأعلام الفلسطينية التي رفرفت في الملاعب أكثر من مجرد قطع قماش؛ كانت تعبيراً عن قناعة راسخة لدى ملايين البشر بأن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن حقوق الشعوب لا تلغيها موازين القوة.
إن فلسطين التي حضرت في المدرجات ليست مجرد رمز سياسي، بل أصبحت رمزاً عالمياً للنضال من أجل الحرية. وحين تتكرر صور الأعلام الفلسطينية في الملاعب والساحات والشوارع من الدوحة إلى مونتريال، ومن مكسيكو سيتي إلى نيويورك، فإن الرسالة تبدو واضحة: قد تختلف الشعوب في لغاتها وثقافاتها وألوانها، لكنها تلتقي أكثر فأكثر حول الإيمان بحق الفلسطينيين في الحرية والكرامة.
فالمدرجات لا تكذب، لأنها تعكس ما يدور في وجدان الشعوب. وما كشفته كأس العالم هو أن فلسطين لم تعد قضية تبحث عن منبر، بل أصبحت صوتاً حاضراً في الضمير العالمي، يزداد قوة كلما حاول البعض تجاهله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى