نطارد الأمل

بقلم/ د. عدنان لفتة ..
خسرنا مرتين بفداحة في مشاركتنا المونديالية الثانية، برباعية أمام النرويج وثلاثية أمام فرنسا وبأخطاء دفاعية متكررة، أدمت قلوبنا وقضت على أحلامنا، لكننا لن نفقد الأمل في الظهور بثوب الكرامة والألق في مواجهتنا الثالثة أمام السنغال، ففي عالم كرة القدم، كما في الحياة، هناك دائماً مساحة صغيرة للمعجزة.. والعراقيون يجيدون انتظار المعجزات وصناعتها.
فريقنا لم يكن محظوظاً، فهو يقدم الأداء الرائع في نصف من المباراة ويتعثر في نصفه الثاني، أسود الرافدين كانوا في مجموعة تُشبه حقول النار، تضم فرنسا المدججة بالنجوم، والنرويج بقيادة أحد أخطر مهاجمي العالم هالاند، والسنغال التي تمثل قوة أفريقية لا يستهان بها.
الحسابات والآمال معلقة على الجولة الأخيرة أمام السنغال، لكن كرة القدم لا تُقاس دائماً بميزان الأرقام. ففي المونديال، كثيراً ما وُلدت المعجزات من رحم الصعوبات، وكثيراً ما تحولت المنتخبات التي كُتب عليها دور المتفرج إلى أبطال للحكاية. والعراق يدرك أكثر من غيره أن التأريخ لا يكتبه الأقوياء فقط، بل يكتبه أيضاً المؤمنون بقدرتهم على تحدي المستحيل. حظوظ العراق في التأهل لم تعد كبيرة كما كانت قبل انطلاق البطولة، لكنها لم تنطفئ بالكامل. فالنظام الجديد لكأس العالم يمنح بعض أصحاب المركز الثالث بريقاً من الأمل عبر فرصة العبور إلى الأدوار الإقصائية، ما يجعل كل هدف وكل نقطة، ذات قيمة استثنائية في الحسابات النهائية.
العراق العائد إلى كأس العالم بعد عقود من الانتظار، لا يعود مجرد منتخب يبحث عن نقاط أو نتائج، بل تعود معه حكاية وطن كامل ظلّ يطارد حلمه بين العواصف والتحديات.
وإذا كان الواقع الفني يشير إلى صعوبة المهمة، فإن الروح العراقية اعتادت أن تتمرّد على التوقعات. والجماهير التي ملأت المقاهي والساحات والشاشات لم تكن تنتظر لقباً عالمياً، بل كانت تبحث عن صورة مشرقة لمنتخب يمثلها بشجاعة وكبرياء. وهذا الهدف مازال ممكناً مهما كانت النتائج.
لقد أثبتت المشاركة العراقية، أن الوصول إلى كأس العالم ليس نهاية الرحلة بل بدايتها، والأجيال الجديدة اكتسبت خبرة الاحتكاك بأكبر نجوم الكرة العالمية، والجهاز الفني واللاعبون وقفوا وجهاً لوجه أمام مدارس كروية عريقة، وهي تجربة لا تُقاس بالنقاط فقط بل بما تتركه من إرث للمستقبل.
وفي النهاية، تبقى حظوظ العراق في مونديال 2026 معلقة بين حسابات المنطق وأحلام الجماهير. المنطق يقول: إن الطريق أصبح شديد الوعورة، أما الحلم العراقي فيقول: إن الكرة مازالت تدور، وإن أسود الرافدين لم يتعلموا يوماً الاستسلام قبل صافرة النهاية.



