اخر الأخبارثقافية

يونس جلوب العراف.. صانع المنصات الشعرية في مدينة الصدر

المراقب العراقي / ماجد حميد ..

قمة الألم والمعاناة أن تعيش في مدينة محاربة من نظام همجي وقمعي وضد الإنسانية والجمال والثقافة وأنت تعرف كل هذا ولا تستطيع أن تغير شيئاً من الواقع. هكذا عاش أغلب المتدينين والشعراء والفنانين والثوار ومبدعي مدينة الصدر “الثورة ” لا لسبب معين بل هو حقد على أهل الجنوب والعقدة عند البعض من الطين الحُرِّي الأصيل الذي يصنع الثورات ومن أهم الثورات هي الثورة الفكرية والثقافية التي من خلالها تستطيع الأمم بناء جيل متحضر ومثقف. 

وهذا ما عمل عليه الشاعر والإعلامي يونس جلوب العراف، الذي كان سباقاً في تأسيس المنتديات الشعرية والثقافية التي تخدم أهل المدينة السمراء. 

شكل “منتدى الفارس العربي الثقافي” الذي أسسه العراف في العام 1998 قفزة نوعية في مسيرته حيث نقل حراكه من الورق والصحافة إلى أرض الواقع عبر صالون ثقافي تفاعلي يجمع النخب ويهدف المنتدى بوضوح إلى مد جسور التواصل الأدبي بين بغداد والمحافظات، مستضيفاً الطاقات الشابة والأصوات الإبداعية من خارج العاصمة لتسليط الضوء عليها. 

تحول المنتدى إلى رئة يتنفس من خلالها المشهد الأدبي عبر تنظيم أماسي لمناقشة الإصدارات الحديثة، وتكريم القامات الكبيرة، وإحياء الفعاليات والمهرجانات الوطنية والإبداعية يقع هذا المنتدى في “شارع الداخل”، وكان له الأثر الكبير في سيرة نجوم تخرجوا منه، حيث كان العراف أول من أخذ بيدهم للصعود إلى المنصة لترى قصائدهم النور ومنهم الراحل جبار رشيد (شاعر الثلج والنار)والراحل علي الفريداوي والنجم ميثم فالح. 

يونس جلوب العراف هو كاتب ومقالي وشاعر يكتب في العديد من الصحف والمنصات وله باع طويل في هذا المجال. يشغل منصب مسؤول الصفحة الثقافية في صحيفة المراقب العراقي وهو دور يمنحه تأثيراً مباشراً في تشكيل الوعي الثقافي وأرشفة المنجزات الإبداعية لزملائه الأدباء ويتبنى من خلال عمله الصحفي مبادرات للاحتفاء بالمنجز الأدبي العراقي، حيث أسهم بتنظيم مهرجانات ووضع معايير سنوية لتكريم المساهمات المتميزة في مجالات القصة، الشعر، والنقد الأدبي،ولا تقتصر كتاباته على المقال السياسي أو الاجتماعي، بل تشمل قراءات نقدية تفكك الأعمال الفنية التشكيلية، والمجموعات القصصية، والروايات المحلية، حيث تناول كتابات أغلب مبدعي مدينة الثورة. 

كما يمتلك رصيداً كبيراً من المقالات الاستقصائية التي تلمس حياة المواطن العراقي اليومية (ضمن تبويبات مثل (المراقب والناس). فقد كتب بجرأة عن قضايا حيوية تمس السلم والأمن المجتمعي مثل: مخاطر غياب الرقابة على منصات التواصل الاجتماعي وفوضى النزاعات الرقمية وقضايا إهمال سلامة المدارس وحماية الطلبة. يثبت هذا الجانب أن أدبه وصحافته ملتصقان بالواقع الخدمي والاجتماعي للعراق، وليس مجرد أدب “برج عاجي”. 

تميز العراف أيضاً بمواكبة وتوثيق الفعاليات الاستذكارية للكبار الذين رحلوا؛ حيث أفرد مساحات صحفية رصينة لتغطية وقراءة تجارب قامات فارقة (مثل كتاباته وتغطيته لجلسات اتحاد الأدباء لاستذكار الشاعر الكبير مظفر النواب بعد رحيله)، مما يظهره كأديب وفيّ لجيل الكبار، وحريص على ألّا تنقطع السلسلة الإبداعية العراقية بموت رموزها. 

يمتلك العراف مرونة عالية في التنقل بين النص الفصيح الرصين وبين القصيدة الشعبية العراقية القريبة من وجدان الجمهور. يتسم منجزه الشعري بملامح حزينة ووجدانية تحاكي هموم الشارع، والذاكرة الجمعية، والتقلبات الاجتماعية والسياسية المحيطة به ويظهر في قصائده تأثر واضح برمزيات الطف وواقعة كربلاء، حيث يوظف هذه الرموز التأريخية لتعكس المعاناة الإنسانية المعاصرة.

يُعد العراف وجهاً بارزاً في المهرجانات الشعرية البغدادية والمحافظات، ومنها مشاركاته المستمرة في ندوات المركز الثقافي البغدادي ومهرجانات مثل “صوت الطف”. كما يتمتع بحضور تفاعلي وتضامني واسع داخل أوساط اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، ويحظى بتقدير جيله والأجيال الشابة. وقد تم اختياره والاحتفاء بمسيرته ضمن برامج وجلسات ثقافية مثل “مبدع من مدينتي”، في لفتة تؤكد أن المؤسسات الثقافية المحلية بدأت تلتفت لجهوده التأسيسية وتكافئه على ما قدمه للآخرين من منصات ودعم. 

يرى النقّاد والوسط الأدبي في العراق أن يونس جلوب العراف يمثل نموذجاً للمثقف العضوي المتكامل وفي نظر زملائه الصحفيين هو “الحارس الوفي الذي أنصف أدب المحافظات وكسر مركزية العاصمة”، محولاً الملحق الثقافي إلى ديوان نقدي حقيقي وفي عين نقّاد الشعر هو “صاحب القصيدة الوجدانية والوجيعة التي صاغت الشجن العراقي بأبعاد تأريخية معاصرة وبوعي إنساني صادق” ولدى جيل الشباب من الأدباء فهم يُجمِعون على أنه “الأب الحاضن” الذي يتعامل مع الموهبة الشابة بعقلية المتبني لا المنافس، واضعاً منبره ومنتداه لخدمة المبدعين الجدد. 

إن تجربة يونس جلوب العراف لا يمكن اختزالها في قصيدة كتبت أو مقال نُشر؛ بل هي تجربة تكاملية تجمع بين الشاعر الذي ينبض بآلام مجتمعه، والصحفي الذي يوثق إبداع جيله، والناشط الذي يصنع المنصات ليحمي الهوية الثقافية العراقية من النسيان. ولهذا كان من الطبيعي أن تلتفت الأوساط الثقافية لجهوده وتحتفي بمسيرته في محافل عدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى