اخر الأخباراوراق المراقب

صفات الإمام الحسين عليه السلام

 إنَّ صفات الإمام (عليه السلام) هي منظومةٌ متكاملةٌ تكشف عن هويته الإلهيَّة ووظيفته في هداية الأمَّة وصيانة الدِّين من الانحراف. وعبر هذه الصِّفات تتبيَّن حقيقة الإمام (عليه السلام) بوصفه الامتداد للرِّسالة، الذي يجمع بين العصمة، والعلم، والكمال القيادي في أعلى مراتبه.

 وأمَّا الطَّريق إلى معرفة إمام كلِّ زمان (عليه السلام) وتحديد ملامح شخصيَّته القياديَّة، فقد تولَّت الرِّوايات الشَّريفة بيان ذلك بوضوحٍ منهجي، يربط بين صفات الإمام (عليه السلام) ووظيفته في حفظ الدِّين وهداية الأمَّة. ولا تنفصل هذه الصِّفات عن طبيعة الموقع الذي يشغله الإمام (عليه السلام)، بوصفه الامتداد الشَّرعي للرِّسالة، والمرجع الأعلى في تفسير الشَّريعة وتطبيقها.

 ففي الرِّواية المروية عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليهما السلام) عرضٌ تفصيلي لمجموعة من الخصائص التي تُشكِّل معيارًا معرفيًّا لتشخيص الإمام الحقِّ. فقد قال (عليه السلام): “الإمامُ المُسْتَحِقُّ للإمامةِ لَهُ عَلَاماتٌ، فَمِنها: أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ مَعصومٌ مِنَ الذُّنوب ‌ِكُلِّها صَغيرِها وكَبيرِها، لا يَزِلُّ في الفُتْيا، ولا يُخْطئُ في الجَوابِ، ولا يَسْهو ولا يَنْسى، ولا يَلْهو بِشَيءٍ مِنْ أمرِ الدُّنيا.

والثَّاني: أنْ يَكونَ أعْلَمَ النّاسِ بِحَلالِ اللَّهِ وحَرامِهِ وضُرُوبِ أحْكامِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ وجَميعِ ما يَحتاجُ إليهِ النّاسُ، فَيَحْتاج النّاسُ إلَيْهِ، ويَسْتَغني عَنْهُمْ.

والثَّالثُ: يَجِبُ أنْ يَكونَ أشْجَعَ النَّاسِ؛ لأنَّهُ فِئَةُ المُؤمِنينَ الَّتي يَرْجِعونَ إلَيْها؛ إنِ انْهَزَمَ مِنَ الزَّحْفِ انْهَزَمَ النّاسُ لانْهِزامِهِ.

والرّابعُ: يَجِبُ أنْ يَكونَ أسْخَى النّاسِ وإنْ بَخِلَ أهلُ الأرضِ كُلُّهُمْ؛ لأنَّهُ إنِ اسْتَولَى الشُّحُّ عَلَيْهِ شَحَّ بِما في يَدَيْهِ مِنْ أموالِ المُسلِمينَ.

الخامسُ: العِصْمَةُ مِن جَميعِ الذُّنوبِ، وبِذلِكَ يَتَميَّزُ عَنِ المَأمومِينَ الّذينَ هُمْ غَيْرُ مَعصومِينَ؛ لأنّهُ لَو لَم يَكُنْ مَعْصوماً لَم يُؤْمَنْ عَلَيْهِ أنْ يَدْخُلَ فيما يَدْخُلُ النّاسُ فيهِ مِنْ مُوبِقاتِ الذُّنوبِ المُهْلِكاتِ والشَّهَواتِ واللّذَّاتِ.

 وفي ضوء هذه المعايير، يتَّضح أنَّ معرفة تقوم على أُسُسٍ معرفيَّة دقيقة تستند إلى النَّصّ الشَّرعي، وتربط بين الصِّفات والوظيفة. كما أنَّ هذه الصِّفات لا تُفهم بمعزلٍ عن الغاية الكبرى للإمامة، وهي هداية الإنسان وصيانة الدِّين من التَّحريف، وهو ما تشير إليه الآية الكريمة: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) وبذلك تتكامل صورة الإمام (عليه السلام) بوصفه قائدًا ربَّانيًّا يجمع بين الكمال العلمي والأخلاقي والقيادي، في إطارٍ يضمن استمرار خطِّ الهداية في حياة الأُمَّة.

 وتتجلَّى هذه الصِّفات المتقدِّمة للإمام (عليه السلام) في إطارٍ قرآنيّ جامع، حيث يقول الله (تعالى): (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) وتكشف هذه الآية عن منظومة مفهوميَّة دقيقة للإمامة بوصفها “عهدًا إلهيًّا” لا يُمنح إلَّا بعد اجتياز مسارٍ من الابتلاءات التي تُظهر كمال الاستعداد لتحمُّل أعباء الهداية العامَّة.

 إنَّ التَّعبير القرآني (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) يحمل دلالةً تتجاوز المعنى الشَّائع للظُّلم بوصفه تعدِّيًّا على حقوق الآخرين، ليمتدَّ إلى مفهومٍ أوسع يقابل العدل بمعناه؛ فالظلم في اللغة: “أخْذُكَ حَقَّ غَيْرِكَ، وأصْلُه: وَضْعُ الشَّيْءِ في غير مَوْضِعِهِ”، “وقول اللَّه (جلَّ ثناؤه): (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) قال ابنُ عبَّاس وجماعةُ أهل التفسير: لم يُغَطُّوا إيمانهم بِشرْك.

 وبهذا الاعتبار، يُفهم الظُّلم على أنَّه كلُّ انحراف عن مقتضى الاستقامة، سواء أكان في الاعتقاد أم في السُّلوك، وهو ما يجعل أدنى تلوّثٍ بالمعصية مؤثِّرًا في نفي الاستحقاق لهذا المقام. فالإمامة، بما تمثِّله من قيادة ظاهرة وباطنة للإنسان، تتطلَّب درجةً قصوى من الإخلاص، بحيث لا يعتري صاحبها ما يُخلُّ بوثوق المرجعيَّة أو يُضعف من حجّيتها.

 ومن هذا المنطلق، استندت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذه الآية في بناء استدلالٍ عقديّ يُفضي إلى حصر الإمامة فيمن لم يتلبَّس بالظُّلم في أيِّ مرحلة من مراحل حياته. فالتَّأريخ العقدي يبيِّن أنَّ كثيرًا من الأشخاص قد وقعوا في عبادة الأصنام قبل الإسلام، وهو مصداقٌ جليٌّ للظُّلم.

 وبناءً على هذا الفهم، يصبح الامتناع المطلق عن الشِّرك، في جميع أطوار الحياة، شرطًا لازمًا فيمن يُناط به هذا العهد الإلهي. وقد ورد في رواية هشام بن سالم عن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليهما السلام) ما يوضِّح هذا المعنى: “… وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبِيّاً، وَلَيْسَ بِإِمَامٍ حَتَّى قَالَ اللَّهُ: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، مَنْ عَبَدَ صَنَماً أَوْ وَثَناً، لَايَكُونُ إِمَاماً.

 حيث بيَّن أنَّ مقام الإمامة لم يُمنح للخليل إبراهيم (عليه السلام) إلَّا بعد اجتيازه مراتب الابتلاء، ثمَّ أكَّد أنَّ من تلبَّس بعبادة الصَّنم أو الوثن لا يدخل في هذا العهد؛ لكونه قد اتَّصف بالظُّلم في مرحلة من حياته. ويُفهم من هذا البيان أنَّ الإمامة مرتبة لاحقة للنُّبوَّة من حيث الكمال القيادي، وأنَّها مشروطة بسلامة المسار بأكمله من أيِّ انحراف عقدي. وفي السِّياق نفسه، تُشير الرِّوايات إلى بُعدٍ نوريّ في حقيقة الإمامة، كما في ما ورد عن الإمام عليِّ بن الحسين (عليهما السلام): “إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مُحَمَّداً وعَلِيّاً وأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ، فَأَقَامَهُمْ أَشْبَاحاً فِي ضِيَاءِ نُورِهِ، يَعْبُدُونَهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ويُقَدِّسُونَهُ، وهُمُ الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ” ويُفهم من هذا النَّصِّ أنَّ الإمامة حقيقةٌ ممتدَّة في نظام الهداية الإلهيَّة، ترتبط بعالمٍ سابقٍ على الوجود المادِّي، وتعبِّر عن اصطفاءٍ قائمٍ على طهارة الذَّات وكمال القابليَّة.

 وبذلك تتكامل الدلالة القرآنيَّة والرِّوائية في رسم معالم الإمامة بوصفها عهدًا إلهيًّا مخصوصًا، يقوم على النَّقاء المطلق من الظُّلم، ويستند إلى اصطفاءٍ سابقٍ في العلم الإلهي ويظهر في الواقع من خلال قيادةٍ تجمع بين الهداية الظَّاهرة والباطنة. وهذا التَّصوّر يُرسِّخ أنَّ الإمامة موقعٌ ربَّانيّ تحكمه معايير دقيقة، في مقدِّمتها العصمة، وسلامة المسار من كلِّ ما يُنافي مقتضى العدل الإلهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى