الشرق الأوسط.. بقعة زيت أم حريق لا يعترف بالحدود؟

بقلم: نسيمة عبد الرحمان..
إذا امتدَّ شيء ولم يصطدم بحاجز يوقفه، يصبح ذلك الشيء لا يعترف بالحدود، كبقعة زيت على قطعة من القماش، فيصعب التخلص منها إلا بمواد ووسائل للقضاء عليها، لكن هناك ما هو أكبر وأخطر من بقعة الزيت، بل كتلة من نيران أشعلت منطقة برمتها، وهي منطقة الشرق الأوسط، التي ستطال كل من فيها إذا لم يوضع لها حد.
وضع الحرب المندلعة الذي تعيشه هذه المنطقة، جذوره ليست وليدة الأمس، بل أصبحنا نتعايش مع هذا الصراع منذ عقود، مؤسسه الكيان الصهيوني، الذي أشبّهه ببقعة الزيت تلك، التي تمتد مطامعه إلى ما لا نهاية. تُؤلَّف ذرائع من وحي الخيال، بتصديق من يهمه تقسيم الغنائم، فتُستفَز دول وتهدَّد أخرى إن لم تؤيد المشروع التوسعي.
وفي قلب هذا المشهد، تقف غزة شاهدة على حجم المأساة التي يعيشها الإنسان في هذه المنطقة، لتكون البداية الأكثر إيلامًا لهذا الامتداد.
ابتداءً من غزة، التي تنزف بعمق منذ ثلاث سنوات، وسكانها تحت جحيم لم يعرفه التأريخ من قبل، بين موت وتدمير وتهجير، تحت صمت عربي مخيف، ربما سيخجل التأريخ في كتابته. شعوبها خارجة عن التغطية، لأن الأنظمة أرادت أن تقطع الإرسال وتخفف من الذبذبات المزعجة.
لكن بقعة الزيت لا تتوقف عند حدود المكان الذي بدأت منه، بل تواصل انتشارها كلما غابت الحدود التي تمنعها من التمدد. ومن هنا يأتي لبنان في قلب هذا المشهد المتسع.
ولأن العدو أراد أن يهيننا أكثر وأكثر، انتقل ببقعته إلى لبنان، دون أن ننسى عبوره على الضفة الغربية، حيث يتواصل هدم البيوت الفلسطينية، كأنه يسعى إلى قلع الجذور وطمس التأريخ. كم هو مخطئ! فالحجارة يُعاد ترميمها، لكن الهوية والأصالة تُخلقان مع الشخص.
ومن فلسطين إلى لبنان، لا يتغير السؤال: ماذا يبقى للشعوب عندما يصبح التأريخ نفسه مستهدفًا؟ وهنا يستحضر لبنان حضارته وذاكرته، التي لا يمكن اختزالها في الحروب التي تعصف به.
لبنان، الحضارة الفينيقية، لا يمكن تزوير تأريخ حضارة اكتشفت الحرف، فالخط هي من تملكه، وهي من تقرر وتحرر مصيرها. رغم انبطاح شبيه فينيقي أمام عدو يهدد موروث الإنسانية، إلا أن الشعب اللبناني، الذي يدفع شبابه ثمن كرامة وسيادة، لن يساوم ولن يفاوض على مصير أرض يشهد الزمن على وجودها.
وإذا كان لبنان قد دفع ثمن موقعه في قلب هذا الصراع، فإن سوريا لم تكن بعيدة عن تداعياته؛ فالجغرافيا وحدها تجعلها جزءًا من هذا المشهد المتشابك.
نعرّج على سوريا، التي أُحيط بنظامها، ربما خطأ، في تصوّر مشروع مثالي للبلاد، لكنه لم يخن الأرض ولم يتنازل عن شبر منها. فالاعتداءات كادت تكون شبه يومية، رغم التوافق المعلن مع الحكام الحاليين والرضا عنهم، وكدنا نحن نتعوّد عليها.
وهكذا، لا تبدو المنطقة وكأنها مجموعة أزمات منفصلة، بل حلقات متصلة في سلسلة واحدة، تمتد من بلد إلى آخر، حتى تصل إلى قلب قوة إقليمية كبرى هي إيران.
من هنا يمتد الصراع إلى إيران، إلى أعرق الحضارات، التي أنجبت أكبر العلماء الذين عرفهم التأريخ، بالتدمير من كيان وليد الأمس، مدعومًا بمكتشف الشاطر والمشطور وما بينهما. يا للعجب! إلا أن المفاجأة الكبرى أن هذه الحضارة ليست مجرد تأريخ يُدرس في الكتب، بل هو واقع يحمل كل المعاني، من العلم والبحث والصمود والتصدي لعدوان كان يتربص بها منذ عقود.
ومع دخول إيران على خط المواجهة، لم يعد الصراع محصورًا في البر والحدود، بل امتد إلى الممرات والمواقع الاستراتيجية التي تتحكم في حركة المنطقة والعالم، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
استطاعت اليوم إيران أن تُخلّد في التأريخ لكسرها عنجهية أكبر قوة، أو ما سُوّق له على أنه أكبر قوة في أذهان الضعفاء. كم من تهديد واستفزاز نسجله يوميًا منذ بدء الحرب عليها، فهي لا تبالي، لأن من يملك القوة على الصمود أمام حصار دام أربعين عامًا، يستطيع أن يصمد أكثر بعد اكتشافه لأقوى سلاح عابر للقارات.
وفي هذا السياق، يكتسب مضيق هرمز أهمية تتجاوز حدوده الجغرافية، ليصبح جزءًا من معادلة الصراع والضغط المتبادل.
سلاح مضيق هرمز أكد نجاعته في وجه من مارس الغطرسة منذ زمن طويل، وحان الوقت أن تكون إيران الوسيلة الأنجح لإزالة تلك البقعة التي تضرب بعرض الحائط القوانين التي تسيّر الكون، ولا تبالي بسيادة الدول، الكيان الصهيوني ومن يرافقه في معزوفة البنادق.
لكن الصراع، مهما اشتد، لا يلغي وجود أصوات أخرى في العالم ترفض أن يصبح منطق القوة هو القانون الوحيد الذي يحكم العلاقات بين الدول، إلا أن هناك أصواتًا ذات حناجر قوية يُسمع صداها في كل بقعة من العالم، تندد وترفض سياسة الاستيطان والاعتداء، وتدعو إلى الرجوع إلى تلك القوانين الدولية التي وُضعت للمستضعفين. إسبانيا، من خلال مواقفها الشجاعة، دُبّرت لها مكيدة بتواطؤ مع نظام لا يهمه مصير شبابه، حيث زُجّ بستين ألف شاب في عرض البحر، ليكون بعضهم لقمة لسمك القرش، وخلق أزمة هجرة على الأراضي الإسبانية لا مثيل لها، ما يعتبره بعض المحللين إنذارًا للحكومة الإسبانية للرجوع عن مواقفها إزاء ما يمارسه الكيان الصهيوني.



