اراء

تحالف مكة الثلاثي.. محور أمريكي بديل لاحتواء إيران

لماذا تتحفظ مصر؟

العهد الإخباري

يُشكّل الاتفاق الدفاعي الذي وقّعته المملكة السعودية وتركيا وباكستان بمكة المكرمة في 7 آب 2026 تطورًا بالغ الأهمية في إعادة تشكيل النظام الأمني بـ”الشرق الأوسط”.

فالوثيقة التي حملت اسم «اتفاق مكة للدفاع المشترك» تنص بوضوح على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعامل باعتباره هجومًا عليها جميعًا، فضلًا عن تعزيز مختلف أوجه التعاون الدفاعي بينها.

يأتي هذا في الوقت الذي فشلت فيه الولايات المتحدة في ضرب إيران، في ظل عجز التحالف “الإسرائيلي” الإماراتي عن تقديم منصة إقليمية تساهم في حصار الجمهورية الإسلامية وتمنعها من الحفاظ على تحالفاتها في المشرق العربي. من هنا فإن التشكيل الدفاعي المنبثق عن قمة مكة جاء كمحاولة أمريكية للاعتماد على قوى إقليمية بديلة عن “إسرائيل” والإمارات في احتواء إيران. وما يميز هذا التحالف هو أنه يجمع ثلاث عواصم من السنخية الطائفية ذاتها يمكن أن تشكل مثلثًا يطوق إيران من الغرب والجنوب، في تكرار لمحاولة غربية سابقة في إقامة حلف في المنطقة العربية الإسلامية في الخمسينيات من القرن الماضي تحت مسمّى حلف بغداد، لكن هذه المرة عوضًا عن أن يقوم الحلف باحتواء روسيا فإنه يسعى لاحتواء إيران التي أصبحت جزءًا عضويًا من التحالف الأوراسي بقيادة الصين وروسيا.

لكن المفارقة الأساسية تتمثل في أن مصر، وهي إحدى أكبر القوى العسكرية والسياسية في العالم العربي، لم تكن طرفًا في الاتفاق الثلاثي، رغم مشاركتها خلال الأشهر الماضية في اجتماعات رباعية مع السعودية وتركيا وباكستان.

مواجهة إيران

من الناحية الجيوسياسية، يمكن قراءة اتفاق مكة بوصفه نواة لمحور من القوى السُنية الكبرى يضم باكستان بصفتها قوة إسلامية نووية والبلد الإسلامي الأكثر تعدادًا للسكان بواقع 260 مليون نسمة، وتركيا بوصفها البلد الإسلامي الأكثر حداثة، عدا عن كونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي- “الناتو”، إضافة إلى قدراتها الصناعية والعسكرية، والمملكة السعودية بوصفها البلد الأكثر ثراءً، عدا عن كونها البلد الذي يحتضن مكة المكرمة التي تعتبر العاصمة الروحية للمسلمين في العالم.

ويأتي الاتفاق في ظل التوتر السعودي الإيراني بنتيجة الأنباء عن موافقة ودعم سعودي للضربات التي تعرضت لها إيران على يد الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وتعرّض القواعد الأمريكية في المملكة إلى الرد الإيراني، عدا عن عدم قدرة الرياض على ضرب أنصار الله في اليمن والذين ردوا على قصف مطار صنعاء بقصف المطارات والمرافق السعودية من دون أن تتمكن الرياض من مواجهة هذه الهجمات.

مصر خارج التحالف

كان اللافت في الإعلان عن اتفاق مكة هو غياب مصر، على الرغم من أن القاهرة كانت قد أرسلت وفودًا لحضور الجلسات التحضيرية للإعلان عن التحالف. ويمكن اعتبار أن القاهرة، وعلى الرغم من اختلافاتها العميقة مع طهران في ملفات عديدة، إلا أنها لا تريد بالضرورة الدخول في مواجهة استراتيجية مفتوحة مع إيران، وهي لا تعتبر أن طهران في الوقت الحالي تشكل خطرًا على أمنها القومي، بل يمكن التكهن في أن مصر اختارت عدم الدخول في تحالف يعطي دورًا رياديًا لتركيا في ظل التنافس الجيوسياسي التأريخي بين البلدين، عدا عن خشية مصر من رعاية جماعات متطرفة في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي وسوريا التي يضم نظامها الجديد مصريين محكوم عليهم غيابيًا بالإعدام لتورطهم السابق بأنشطة إرهابية.

مصر والهاجس السوري

تنظر مصر بقلق إلى تمدد النفوذ التركي في مناطق تعتبرها امتدادًا للأمن القومي المصري. ففي ليبيا تدعم أنقرة جماعات تصنفها القاهرة على أنها إرهابية، علمًا أن هذه الجماعات تنضوي في إطار حكومة الوفاق التي تسيطر على غرب ليبيا. كذلك فإن أنقرة باتت هي الداعم الأبرز لحاكم السودان عبد الفتاح البرهان، رغم العلاقات التي تجمعه بالقاهرة، إضافة إلى ذلك فلقد أمنت أنقرة حضورًا قويًا في الصومال لتطل على باب المندب الذي يعتبر جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، عدا عن رعاية الأتراك لحزب الإصلاح وهو النسخة اليمنية من الإخوان المسلمين.

آفاق الحلف

قد يؤدي غياب مصر عن اتفاق مكة إلى إضعاف هذا الحلف. فمصر هي التي يمكن لها إعطاء الحلف عمقًا استراتيجيًا يمكنه من منع “تمدد إيران باتجاه المتوسط والبحر الأحمر” وفقًا للحسابات الأمريكية. وقد يكون عدم انضمام مصر مقدمة لفشل الحلف تمامًا كما أدت معارضة مصر لحلف بغداد في الخمسينيات من القرن الماضي إلى إفشاله.

هذا يضاف إلى المشاكل البنيوية التي تواجه الحلف، وأهمها التباين في أهداف الدول الأعضاء فيه. فإن كانت أولوية الرياض وأنقرة هي في احتواء إيران، إلا أن العاصمتين تختلفان في المدى الذي يجب الوصول إليه في حالة العداء مع طهران. فأنقرة لا تشارك الرياض اندفاعتها ضد طهران في ظل العلاقات الاقتصادية التي تجمعها بها والهاجس المشترك معها من الانفصاليين الأكراد. وقد تجد أنقرة في الحلف فرصة لتسويق صناعاتها العسكرية وبيعها لدولة فائقة الثراء هي المملكة السعودية. أما بالنسبة لباكستان، وعلى الرغم من اهتمامها باحتواء إيران، إلا أنها ترى في طهران قوة تحمي ظهرها في ظل التحالف الهندي “الإسرائيلي” الموجه بجزء منه ضد باكستان، عدا عن الدالة الكبيرة لإيران على الأفغان والتي يمكن أن تساهم في ضبط أمن الحدود الباكستانية الشمالية. كل هذا قد يضعف من اندفاعة الحلف ويحوله إلى مجرد حبر على ورق في ظل تمكن إيران من تدعيم مكانتها الإقليمية وتحولها إلى قوة إقليمية عظمى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى