اراء

هداية القلب في مركز هداية

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..


​منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام وملحمة الطف الخالدة تتجدد في قلوب الأحرار كل عام، فلا تخبو جذوتها ولا يخفت سناها، إن عظمة وجلالة وقدسية الإمام الحسين (عليه السلام) جعلت من مراسيم العزاء والحزن في ذكرى استشهاده ظاهرة كونية فريدة، إذ تخطت حدود الجغرافيا وتجاوزت عوائق اللغات وصهرت الفوارق بين القوميات والأعراق. في كل قارات العالم وبمختلف الألسن يلتقي البشر على صعيد واحد، ليحيوا مأساة عاشوراء، مؤكدين الحقيقة الخالدة “كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء”.
في مدينة لوفين البلجيكية يجمعنا الحسين فنحن هنا في المدينة الجامعية في بلجيكا نلنا شرف إحياء هذا المصاب الجلل في مركز هداية الذي شرعنا في تأسيسه بالتعاون مع نخبة من الأحبة المخلصين والعاشقين لنهج أبي الأحرار (عليه السلام). ​لكن الأمور هنا في بلاد الغرب تختلف بطبيعتها عن العزاء في العراق، حيث تتنوع طبائع الحاضرين وخلفياتهم بين عراقيين وعرب ومواطنين بلجيك وأفارقة. هذا التنوع فرض نسقاً خاصاً فكان لزاماً علينا أن تبدأ المجالس بمحاضرة باللغة الهولندية التي يتحدث بها غالبية الحضور لتتبعها بعد ذلك المحاضرة باللغة العربية. ورغم اختلاف الألسن والثقافات إلا أن النتيجة كانت تذهل العقول؛ ​الدمع ذات الدمع فلم يمنع تباين اللغات القلوب من الحزن أو البكاء، وكأننا نواسي دموع الرسول المصطفى على الحسين “عليهما صلاة الله” يوم أبلغه جبريل بمأساة شهادته في كربلاء، ​الحزن ذات الحزن فقد توحدت المشاعر أمام هول الفاجعة. ​اللطم ذات اللطم على الصدور بنبض واحد مؤطر بعَبرةٍ وعِبرة.​ في المجلس الحسيني المبارك تذوب الفوارق وتنصهر كل المزاجات والأهواء بمختلف اتجاهاتها وتتقارب الأخلاق والطبائع مهما بلغت التقاطعات والتباينات في ثوابتها اليومية بين الأفراد. ​إن هذا التلاحم الروحي ينتج لنا وضعاً استثنائياً بزمن حسيني خارج عن عقارب الساعة الحاضرة ومكان حسيني يتضوع بعطر السماء وهمس الملائكة وحزن حسيني يفيض بالوقار والاعتبار والوعي الرسالي. ​كم أنت عظيم سيدي ومولاي أبي عبد الله، لقد تخلدت رمزاً للتضحية والبطولة والكبرياء وغدوت مناراً تستضيء به الأمم ونبراساً يقتدي به الثائرون ضد الطغاة والظالمين في كل عصر وأوان.
لم تكن شهادتك مجرد حدث تأريخي بل كانت ولادة مستمرة لقيم الحرية والكرامة، إقراراً لصرخة سرمدية الخلود هيهات منا الذلة.
​السلام عليك سيدي يوم ولدت ويوم ارتقيت شهادة وعطاءً لله حد السخاء، ويوم تبعث شاهداً وشفيعاً وشهيداً، ​السلام عليك سيدي وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك وأناخت برحلك ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم ورحمة الله وبركاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى